Search Icon

أوروبا بين ترامب وبوتين: رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ!

منذ ساعة

سياسة

أوروبا بين ترامب وبوتين: رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

يبدو أنَّ أوروبا أدارت "الأُذن الطرشاء"، عندما وصفَ وزيرُ الدفاع الأمريكي الأسبق، الجمهوري دونالد رامسفيلد، أوروبا بـ"القارَّة العجوز"، يوم 22 يناير 2003، ردّاً على معارضة فرنسا وألمانيا غزوَ العراق، مُفضِّلةٍ الإسترسال بالتنعُّم بدفء الحماية الأميركية. وكانَ عليها أن تستفيقَ من "قيلولتها"، مع قُدوم الجمهوري الآخر المحافظ، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، ليُعلِمَها بأنَّ عهدَ الحماية المجانية قد انتهى، مُخيِّراً إيّاها بين تحمُّل تكلفة حمايتها، أو تقليع شوكها بيدها.

 فمنذُ دخوله إلى البيت الأبيض، وفي ولايتَيه، لم يتوقَّفْ الرئيسُ ترامب، عن الدعوة لرفع المُساهمات الأوروبية بميزانية الحلف، إلى حدود 5% من إجمالي الناتج المحلّي، بحلول عام 2035، وذلك على وقع التهديد برفع مظلَّة الحكاية الأميركية. هذا الموضوعُ خلقَ شرخاً بين ضفَّتَي الأطلسي، لتزامنه مع الحرب في أوكرانيا، التي كانت بمثابة إنذارٍ، وضعَ مصيرَ أوروبا، رهنَ الخضوع لمشيئة الرئيس ترامب، وما تدَّعيه تهديداً وُجودياً روسيّاً.

في ظلِّ هذه الأجواء، تستضيفُ تركيا، للمرَّة الثانية، منذ ربع قرنٍ تقريباً، القمَّةَ الثانيةَ والثلاثين، لدول منظّمة حلف شمال الأطلسي، الـ"NATOيومَي السابع والثامن من الشهر الجاري. تضمَّنَ جدولُ أعمال القمَّة عدَّة مواضيع، تقدَّمَها إمساك أوروبا بتكاليف حماية أمنها، والحربان الأوكرانية والإيرانية، وزيادةُ التصنيع الحربي، إضافةً إلى ترطيب خاطر الرئيس دونالد ترامب، أملاً بتلطيف انتقاداته اللّاذعة، للقادة الأوروبيين.

وكان بديهياً أنْ تسعى تركيا، إلى تثمير العلاقات الوثيقة، التي تربط رئيسَها بالرئيس الأميركي، أملاً بتذليل ما تُلاقيه مصالحُها الإقليمية، من عراقيل أقرانها الأوروبيين في الحلف. ترى تركيا، أنَّها تستحقُّ مكانةً تُوازي الدورَ المحوري، الذي تُؤدّيه لصالح الحلف، لكونها تُشكِّلُ حاميةَ جناحَيه الشرقي والجنوبي. فضلاً عن امتلاكها ثاني أكبر الجيوش الأطلسية، وما أحرزته من تقدُّمٍ صناعيٍّ، لا سيَّما في مجال صناعة الأسلحة.   

كما تأملُ تركيا أنْ تُفضي إعادة الإعتبار لأهميَّتها، إلى إقناع الأوروبيين بأنَّها تُشكِّلُ قيمةً مُضاقةً، إنْ أعادوا محاورتَها، تمهيداً لضمِّها إلى الإتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته، تراهنُ أنقرة على أنْ تُعيدَ الإدارةُ الأميركيةُ، النظرَ بقرار تراجُعها عن صفقة تزويدها بطائرات "F 35"، بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الروسية "S-400". وقد يُعزى هذا التراجُع، إلى وُجود تحفُّظاتٍ من بعض مراكز الضغط الأميركية، ضدَّ السياسة التركية، عدا مُعارضة إسرائيل واليونان وقبرص الشرسة للصفقة.

إنَّ ما يزيدُ قناعةَ تركيا، بأنَّ الحلفَ لم يُنصفْ مُشاركتَها الفاعلةَ، في محاربة الشيوعية، زمن الحرب الباردة، ما يجعلُها تتردَّدُ في الإنخراط، في توجُّه الحلف شرقاً، لمواجهة إيران والصين وروسيا. فتركيا تُشكِّلُ عقدةَ الوصل، بين آسيا الوسطى والقوقاز، في هذا الشرق الواعد، ورئيسُها طامحٌ للعب دورٍ آسيويٍّ وازنٍ، بين إيران وروسيا والغرب، ما يجعلُها تتردَّدُ في الإنخراط في هذا التوجُّه، تدارُكاً لتداعياته على مصالحها. وهكذا، تتحوَّلُ تركيا بثقةٍ، من عضوٍ مُثيرٍ للجدل، إلى قُوَّةٍ إقليميةٍ وشريكٍ فاعلٍ في التحوُّلات الدولية.

توَّجَ أعمالَ القمَّة بيانٌ ختاميٌّ، تضمَّنَ موافقةَ القادة على "زيادة الإنفاق الدفاعي، والتعهُّد بتوسيع القدرات الصناعية العسكرية .. وتجديد الدعم لأوكرانيا، بمساعدات عسكرية بقيمة 70 مليار يورو لعام 2026 .. وتطوير قدرات الحلف العسكرية بما في ذلك الدفاع الجوي والصاروخي .. مع التأكيد على الإلتزام بالدفاع الجماعي، لجهة اعتبار أيّ هجومٍ على دولة عضو، يُعدُّ هجوماً على الحلفاء".

تشير بياناتُ "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، أنَّ الدولَ الأوروبيةَ قد زادت إنفاقَها العسكري، عام 2025، بنسبة 14%، عن العام الماضي. هذه الزيادةُ دليلٌ على قناعة أوروبا، بأنَّ الإلتزام الأميركي بأمن أوروبا قد تغيَّرَ بالفعل، وليس مرتبطاً، حصراً، بوجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض. فالإعتمادُ على واشنطن، بات مشكوكاً به، ما يُحفِّزُ الأوروبيين على الإمساك بشؤونهم الأمنية.

وهكذا، تكونُ عقليةُ الـ"Business" لدى الرئيسترامب، قد تضافرت مع شهية التوسُّع، لدى الرئيس بوتين، لتُجدِّدَ شبابَ "القارَّة العجوز"، بالإتكال على قواها الذاتية؛ هذا إذا افترضنا أنَّ أوروبا اليوم، ما زالت أوروبا الأمس، وأنَّ التهديدَ الروسي المزعومَ، هو علّةُ ِعلَلِ القارَّة، المنذورة للحروب العالمية!
*سفير سابق