Search Icon

أوّل إعلان رسمي عن مصير الودائع

منذ سنتين

من الصحف

أوّل إعلان رسمي عن مصير الودائع

الاحداث- كتب غسان عياش في صحيفة النهار  يقول:"عندما يقرّر حاكم مصرف لبنان  بالإنابة وزملاؤه في الحاكمية اعتماد الشفافية في أرقام مصرف لبنانه ومصارحة الرأي العام بالوقائع الصحيحة، فهم يضعون حدّاً لحقبة طويلة من تاريخ المصرف المركزي كان خلالها التعتيم على الحقيقة وتزوير الأرقام وتضليل الرأي العام من الأساليب الثابتة في عمل السلطة النقدية. 

كان القصد من اعتماد هذا الأسلوب هو إرقاد الرأي العام ومنعه من معرفة الحقيقة حول عمق المشاكل المالية وحدود المخاطر الاقتصادية التي تهدّد المجتمع اللبناني، لإعطاء السلطتين المالية والنقدية الوقت الكافي لتأجيل الإصلاح وممارسة سياساتهما التي قادت البلاد إلى الخراب.  

لكن اعتماد الشفافية ومصارحة اللبنانيين بالحقائق قد يؤدّيان إلى صدمهم بالمفاجآت غير السارّة، وهذا أفضل من أساليب التعمية والتضليل لأنه يجعلهم مقتنعين بأن الإصلاح هو الطريق الوحيد للخروج من الانهيار وتلافي انهيارات أخرى في المستقبل، وأن مواجهة المشاكل الكبيرة ومعالجتها أفضل بما لا يقاس من إبعادها عن الأنظار.

عندما أعلن الحاكم بالإنابة وسيم منصوري أن الرصيد الصافي لموجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بات يقلّ عن 7.5 مليارات دولار، أي إنه أقلّ من الاحتياطي الإلزامي، فإنه أعلن ضمناً أن ودائع المصارف لدى مصرف لبنان قد تبخّرت وضاعت حقوق المودعين، وهو بالطبع ليس مسؤولاً عن هذه المأساة.

كان رصيد إيداعات المصارف في المصرف المركزي بتاريخ التحقيق الجنائي يراوح بين 85 و90 مليار دولار، وقد انخفض هذا الرصيد بنسبة محدودة، وغير معلنة، بفعل إجبار المودعين على تصفية دولاراتهم بأسعار صرف تقل كثيراً عن أسعار السوق. لكن مصرف لبنان يعلن اليوم أن ما بقي من هذه الأموال لا يزيد عن 7.5 مليارات دولار، وبحساب بسيط فذلك يعني أن ثلاثة أرباع الودائع بالعملات الأجنبية على الأقلّ، لم تعد موجودة لا في المصارف ولا في المصرف المركزي.

وهذا يجب أن يكون كافياً لكي يكفّ المسؤولون عن إطلاق الشعارات التي ترمي إلى إيهام المودعين بأن ودائعهم موجودة ومحفوظة وأن الودائع مقدّسة، إلى آخر معزوفة الغشّ والتضليل.

في هذا الوقت ينتقل التضليل إلى مسرح آخر، وهو إيهام اللبنانيين بأن ثروة الغاز أصبحت بمتناول أيديهم، لذلك فالدولة تعدّ على عجل الصندوق الذي ستودع فيه قريباً مليارات الغاز.

الجلسة النيابية التي لم تعقد، في الأسبوع الماضي، تضمّن جدول أعمالها مشروع قانون تأخّر المجلس النيابي سنوات في إقراره، يُعرف بقانون الكابيتال كونترول، واقتراحاً نيابياً يلحظ إنشاء صندوق سيادي، لا حاجة لنا به قبل خمس سنوات على الأقلّ.

قانون الضوابط على التحاويل المصرفية والسحوبات النقدية كان يجب إقراره في اليوم التالي لانفجار الأزمة، قبل حوالي ثلاث سنوات. هذا ما أجمع عليه الخبراء والمراقبون، الذين لاحظوا أن التأخير المشبوه وغير المبرّر في إقراره سمح باستنزاف بعض ما بقي من أموال المودعين وتحويل الأموال سرّاً إلى خارج البلاد. كما أتاح لمن يحظى برضى المصرف المركزي أن يستمرّ لفترة طويلة في شراء الدولار الأميركي بالأسعار القديمة وتحويل دولاراته إلى حسابات خارجية.

مقابل هذا التأخير، مطلوب من المجلس النيابي اليوم أن "يسبق الزمن" ويقرّ قانون الصندوق السيادي دون مبرّر معروف أو مفهوم. فالصندوق، وفقاً للقانون المطروح، يدير واردات الدولة من الأنشطة البترولية وعائدات الاستثمار على الأصول المالية التي تنتج عنها، وكذلك العائدات الضريبية المتعلقة بالأنشطة الضريبية البرّية والبحرية. وهو ينظم إدارة الصندوق السيادي وقواعده المالية المتعلقة بإيداع الأموال وسحبها وطريقة استثمارها، قبل سنوات من وصول الأموال الموعودة.

لا يُستبعد أن يكون الهدف من استعجال الممسكين في السلطة الآن إنشاء الصندوق وتحديد هيكليته ووضع قواعده المالية، هو حفظ حصصهم مبكّراً من الثروة الموعودة ومنافعها. 
ولا يُستبعد استعجال أركان "المنظومة" أيضاً لتقاسم الوظائف والمواقع في الصندوق السيادي وتوزيعها وفقاً للولاءات السياسية والطائفية. فالمادّة 23 من اقتراح القانون تفرض على مجلس الوزراء بعد نشر القانون، وقبل التثبّت من وجود الغاز وحجمه ومردوده، تعيين أعضاء مجلس إدارة الصندوق وكل أعضاء الجهاز الإداري والمستشارين.

ما زال النظام السياسي يحقن الأوهام في شرايين شعب ضيّع في الأحلام عمره.