الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار:"يحتلّ موضوع الجيش اللبناني في هذه المرحلة مرتبة متقدمة في النقاش داخل لبنان وفي أروقة القرار الدولي، وتتنوّع المقاربات حياله إلى حدّ تضاربها في كثير من الأحيان.
المؤيدون لـ"حزب الله" كما المعارضون له يأخذون على الجيش اللبناني عدم فاعليته. الفئة الأولى تنتقد امتناعه عن خوض مواجهة عسكرية مع إسرائيل التي تنفذ اعتداءات واسعة على لبنان وتحتل أراضي فيه. أما الفئة الثانية فتعتبره متخاذلًا في التصدي لـ"حزب الله" ونزع سلاحه وانتزاع قرار الحرب منه.
وإذا كان دحض مآخذ المؤيدين لـ"حزب الله" بسيطاً، على قاعدة أن خوض مواجهة مع إسرائيل يحتاج إلى قرار واضح من السلطة السياسية يأخذ في الاعتبار القدرات العسكرية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن المخاطر والمكاسب، فإن مشكلة الجيش اللبناني الحالية تكمن في موضوع نزع سلاح الحزب، بعد القرارات الواضحة الصادرة بهذا المعنى عن مجلس الوزراء اللبناني، الذي أسقط كل شرعية وقانونية عن سلاح "حزب الله"، وكلّف الجيش اللبناني بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة.
وأخطر الانتقادات الموجّهة إلى الجيش اللبناني هي تلك الصادرة عن الإدارة الأميركية الحالية، التي تعتبر أن القيادة العسكرية العليا في لبنان غير مستعدة، بأي شكل من الأشكال، للتصدي لـ"حزب الله" ووضع حدّ لنشاطاته.
وتبرز الإشكالية الكبرى في أن الانتقادات العلنية التي سبق أن وجّهها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام لقائد الجيش العماد رودولف هيكل، منذ اجتماعهما "السيئ" في واشنطن، بدأت تحتل مرتبة متقدمة في ذهن صناع القرار في الولايات المتحدة، بما في ذلك وزارة الخارجية، بحيث برز من يروّج لفكرة قطع كل تعاون أميركي مع العماد هيكل إذا لم يغيّر سلوكه في أسرع وقت.
وأكدت أوساط لبنانية رفيعة المستوى أن الموقف الأميركي السلبي من الجيش اللبناني بدأ ينعكس، بالنسبة نفسها، على رئيس الجمهورية العماد جوزف عون.
أما "الشعرة التي قصمت ظهر البعير"، وفق ما تردده أوساط في وزارة الخارجية الأميركية، فتتمثل في الاعتقاد أن كمية الأسلحة والمنصات والقذائف والصواريخ التي توافرت لـحزب الله" في جنوب نهر الليطاني، منذ قرر الحزب فتح جبهة لبنان بقرار من "فيلق القدس"، أظهرت أن الإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني في منطقة "المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة" قد باءت بالفشل، بسبب رفض القيادة تفتيش المنازل التي تخفي في بنيتها التحتية مخازن أسلحة.
وخوفاً من أن تعمل السلطة اللبنانية، التي تدرك تأثير واشنطن، على إصلاح هذا الخلاف مع الإدارة الأميركية عبر دفع الجيش اللبناني إلى مزيد من الحزم في التعاطي مع سلاح "حزب الله" — خصوصاً بعد صدور مواقف غير مسبوقة ضده عن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وتجسيد ذلك في قرار حكومي قوي — بدأ "حزب الله"، عبر وسائل الدعاية التابعة له، الترويج لانقسام فعلي في الجيش اللبناني، من خلال نشر ما سُمّي بـ"مسودة بيان" صادرة عمّن أُطلق عليهم اسم "الضباط الوطنيين".
وقد ترك هذا الترويج لانقسام محتمل داخل الجيش اللبناني تأثيرات سلبية لدى كثير من معارضي "حزب الله"، إلى درجة أن بعضهم أبدى "يأسه" من المؤسسة العسكرية وبدأ يطرح أسئلة عن جدواها. وذهب أحد المراقبين إلى حد القول:
"حالنا مع الجيش كحال من يوظّف حارساً، لكنه سرعان ما يبدأ بالخوف على نفسه من البرد والحر ويطالب بإبقائه في أماكن آمنة حتى لا يمرض. عندها يضطر صاحب العمل إلى طرد الحارس لعدم جدواه".
لكن المعنيين بالجيش اللبناني يعتبرون أن الأمور أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. فالمسألة مختلفة عمّا يتم تداوله في واشنطن أو في بيروت أو في أي عاصمة أخرى. فالمؤسسة العسكرية، بغض النظر عن الوظائف الحيوية الكثيرة التي تقوم بها في الداخل اللبناني — من حماية الاستقرار الداخلي إلى مكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وصولاً إلى مكافحة المخدرات بشدة غير مسبوقة — تحتاج، لكي تنفذ ما يُطلب منها على المستوى العسكري، إلى دعم حقيقي وتسليح فعلي.
فالمطلوب منها الحسم وفرض إرادتها، وهو أمر لا يمكن تحقيقه من دون توفير الإمكانات التي تمكّنها من القيام بذلك، بما يجنب لبنان كوارث جديدة.
وفي اعتقاد بعض المراقبين، فإن رفع الصوت ضد قيادة الجيش اللبناني، ولا سيما في واشنطن، يحمل أهدافاً أبعد من مضمون الرسائل السلبية. إذ يُراد منه تبرير منح البيت الأبيض إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ خطة القضاء الكبرى على "حزب الله" عسكرياً في كل لبنان.
وبالنسبة إلى هؤلاء المراقبين، فإن التحركات الميدانية تشير إلى أن المسألة لا تتعلق بالجيش اللبناني فقط، بل بفتح أبواب الهجوم الإسرائيلي على لبنان على مصراعيها.