الاحداث - كتب فيكتور الزمتر*
ذاكرةُ القارَّة السمراء، مُثقلةٌ بكوابيس مظالم الإستعمار الغربي بحقِّها، لجهة استعبادها واستباحة مواردها، ما سمحَ له ببناء مُدُنِه وعواصمِه وصروحِه، تاركاً شعوبَها المُستعمَرةَ، تعيشُ على الصيد والقطاف، وتتخبَّطُ بالفقر والأوبئة والتخلُّف.
وفي حمأة الإندفاعتَين الروسية والصينية، على الساحة الأفريقية، تُلاقي بعضُ الدول الإقليميةُ، ترحيباً للتعاون مع دول القارة. فغالبيةُ نُظُم الدول الأفريقية تفتقرُ إلى الحكم الرشيد وتداوُل السلطة والشفافية، ما يجعلُ رأسَ الدولة يُولي ديمومةَ نظامه الأولويةَ، على حساب مصالح الشعب. وترى إسرائيلُ في ذلك منفذاً لعرض خدماتها، وهي صاحبةُ الباع الطويل، في مجال السلاح والتدريب والتخابر، فضلاً عن حاجة أفريقيا لشتّى أنواع المساعدات والخبرات.
بالتنسيق الوثيق مع واشنطن، يأتي اهتمامُ إسرائيل بأفريقيا، طمعاً بمواردها وأسواقها الإستهلاكية، وسعياً للتطبيع مع دولها العربية والإسلامية، بعدما منحتها اتفاقات "كامب دايفيد" موطئَ قدمٍ لها، في مصر. ولم تكنْ أفريقيا، يوماً، غائبةً عن بال إسرائيل، منذ تعاونها الصامت مع جنوب أفريقيا، بسبب تماثُل نظامَيهما العنصري.
لدى قيام دولة إسرائيل، كانت غالبيةُ الدول الأفريقية، ما تزالُ رازحةً تحت الإستعمار، إلى أن كرَّت سبحةُ الإستقلال، مُنتصف الخمسينات، لتبلغَ الذُروةَ عام 1960، باستقلال سبعَ عشرة دولة، في يومٍ واحدٍ؛ ما شجَّعَ إسرائيلَ على المُثابرة لخطب ودِّ الدول الأفريقية، بالرُّغم من معوقات الإعتراف بها.
إلّا إنَّ قادةَ آثَروا استهدافَ شرق أفريقيا، عبر زياراتٍ إلى إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا، ونجحوا بنسج علاقاتٍ مع سبع وأربعين دولةً أفريقيةً، من أصل أربعٍ وخمسين. ويرتكزُ ثقلُ مساعيهم، على دول "حوض النيل"، مثل إثيوبيا وأوغندا وكينيا ورواندا وبوروندي وتنزانيا والكونغو الديمقراطية، إضافةً للحضور الإسرائيلي القوي في جنوب السودان، واستكماله بعقد اتفاقية تطبيع مع السودان الأُم. ولا يغيبُ عن بال تل أبيب، أنَّ دولَ "حوض النيل"، تحتضنُ منابعَ نهر النيل، مُبرِّرُ وجود الحياة على "أرض الكنانة"، لِما يُشكِّلُه التحكُّمُ بمياهه من خطرٍ حياتيٍّ عليها، لأنّّ "مصرَ هبةُ النيل"، على ما يقولُ المؤرخُ اليوناني هيرودوت في القرن الخامس.
إلى ذلك، أدركت إسرائيلُ قيمةَ تصويت الدول الأفريقية، في المحافل الدولية، بقدر ما تنبَّه قادةُ الأفارقة إلى أهميَّة "القيمة المُضافة"، التي يُمكنُهم جنيُها من حيثية إسرائيل المُميَّزة، لدى صُنّاع القرار في واشنطن، تسهيلاً لمصالحهم على المسرح الدولي. فقد نجحت إسرائيلُ بإغراء السودان، بتدخُّلها لدى الولايات المتحدة، لرفع العقوبات عنه ولشطبه عن قائمة الإرهاب، بعدما طعنته بوحدته الترابية، لدورها القوي في انفصال جنوبه.
ومع تفوُّق سيادة المصالح، في العلاقات الدولية، على أولوية المبادئ، راحت الدولُ الأفريقيةُ، تُؤثِرُ التعاونَ مع من يُقدِّمُ لها أفضلَ الخدمات، في مجالات الإستثمار الزراعي والإقتصادي والعسكري والأمني والتكنولوجي.. وبالمُثابرة، تمكَّنت إسرائيلُ الساهرةُ على مصيرها، من تحقيق اختراقاتٍ بارزةٍ، في أفريقيا، مُشكِّلةً خطراً على الأمن القومي العربي، أمام غفلة الإنشغال العربي، بتأبيد سلطة الحاكم.
ولئن كان اهتمامُ إسرائيل بأفريقيا عاماً، فقد خصَّصت لشرقها عنايةً خاصَّةً، طمعاً بـ"مرقد عنزةٍ" لها، على البحر الأحمر، نظراً لأهميَّته الإستراتيجية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، كونه الشريان المُتحكِّم بسلاسل الإمداد، بين باب المندب وقناة السويس. كما يُمكنُ إدراجُ التغلغُل الإسرائيلي في أفريقيا، للجم التمدُّد التركي والإيراني فيها، ولمُراقبة أنشطة الجاليات العربية والإسلامية، المتعاطفة مع قضية فلسطين.
ما تقدَّمَ أعلاه، يُفسِّرُ قفزةَ إسرائيل، قفزةَ النمر، لتعترفَ بـ"جمهورية "أرض الصومال "Somaliland"، ذات الموقع البالغ الأهميَّة في القرن الأفريقي، والموصوفة بـ"بوّابة باب المندب"، لإطلالتها على خليج عدن، ولاحتضانها "ميناء بربرة"، رئتها الاقتصادية..
جديرٌ بالذكر، أنَّ جمهوريتَي الصومال، الشمالي والجنوبي، كانتا موحَّدتَين منذ استقلالهما، عام 1960، إلى أنْ انقسمتا عام 1991، بالرُّغم من أنَّ غالبيةَ مُكوِناتهما المُجتمعية، تجمعُها وحدةُ العرق والدين الإسلامي، وإنْ على قاعدةٍ قبليةٍ. فبعد قرابة ثُلث قرنٍ على انقسام الصومال، لم يقُمْ العربُ بمسعى جديٍّ، لرأب الصدع في بلادٍ عضوٍ في جامعة الدول العربية، وتقعُ على تماسٍّ حادٍ بطرق الإمداد، وعلى عُنق قناة السويس. من هنا، يُؤمَلُ أنْ تكونَ قفزةُ إسرائيل إلى "أرض الصومال"، قد أحدثت صدمةً للغفلة العربية، وندماً على تفويت الفرصة النادرة لتوحيد الصومال، الذي لو أنجزته، لما تمكَّنت إسرائيل من الهبوط المُفاجئ، على القرن الأفريقي الحسّاس.
وبقدر ما شكَّلَه "سدُّ النهضة"، الذي بنته إثيوبيا على مجرى منابع نهر النيل، من تهديدٍ وجوديٍّ، على مصر والسودان، بقدر ما يُشكِّلُ "ميناءُ بربرة"، من تهديدٍ اقتصاديٍّ لإثيوبيا، كونه أهمَّ موانئ استيرادها. ولو تنبَّه العربُ للأهمية الإستراتيجية، لبلاد الصومال، وعملوا، منذ ثلث قرنٍ، على توحيد شطريه، لكان بإمكانهم مُوازنة ضغوط "سدِّ النهضة" الإثيوبي، على مصر والسودان، بضغوط "ميناء بربرة" الصومالي، على إثيوبيا، كونه أحد أهم موانئ استيرادها.
لقد أظهرت الحربُ على إيران، أنَّ المواردَ لا تأخذُ قَدرَ قيمتها، بمعزلٍ عن تأمين سلاسل توريدها. وهذا ما أبرزَ قيمةَ أفريقيا، التي حباها الله مُشاطأةَ مضيق جبل طارق، مُروراً بقناة السويس ومضيق باب المندب، وُصولاً إلى رأس الرجاء الصالح. من هنا، أصبحت اللُّؤلؤةُ السمراءُ، في صميم معادلات الأمن الغذائي والطاقوي، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر فالمحيط الهندي، وُصولاً إلى الأطلسي، بدليل حدَّة التنافُس الدولي عليها، من قوى عُظمى وإقليميةٍ.
إسرائيلُ تغزو وتتوسَّعُ وتُضيِّقُ الخناقَ على كيانات العرب، وبعضُ "ملوك الطوائف" مفتونٌ بـ"حرب داعس والغبراء"!
كم ينطبقُ على الواقع العربي الراهن، قولُ ابن خلدون: "لا يُمكنُ لجيشٍ مكوَّنٍ من عصبياتٍ متناحرةٍ، أنْ ينتصرَ على جيشٍ ذي عصبيةٍ واحدةٍ"!
*سفير سابق