الاحداث- كتب مازن عبّود في صحيفة النهار :"بابل كتابيا نموذج لحضارة التمرد على القيم والاعتداد بالنفس. شكّلت بتكنولوجياتها قوة طاغية، سبت الشعوب وقهرتها، وفرضت نفوذها على الأمم. لذا، فسقوط برج بابل كان دليلا على أن العظمة البشرية زائلة. المدينة كانت نموذجا للحكم من فوق، وللإملاءات، وتحوّل الإنجازات التكنولوجية الى غاية في ذاتها.
في رسالته الأولى بعنوان "الإنسانية الرائعة" (2026)، يرى البابا لاوون أنّ المدينة المبنية على الكبرياء والاكتفاء بذاتها تنهار. تحدث عن انهيار التواصل وارتباك اللغات وفقدان فهم الآخر. اعتبر بانّ بابل تكشف حدود أي إنجاز مهما عظم إذا ما ارتكز على الاعتداد بالنفس والتضحية بالقيم والكرامة الإنسانية لأجل الكفاءة الاقتصادية. وشخصياً استُبدل عبارة "الكفاءة" بالربحية المباشرة.
ممارسات اليوم بابلية، لأننها تعكس فردية وخوفا من الآخر. جارتنا صانت الخير في بيتها بحجبه، واقامت ابراجا. تصرفها جزء من موجة العصر(trend) الذي يولّد انانيين. ثمة تحلّل أخلاقي على كل الصعد والمستويات. ليست المشكلة في العصر او التكنولوجيا بل في كيفية تصميمها واستخدامها والتحكم بها، بحيث جعلت الشركات منها أدوات تهميش ولامساواة. ازمة تخطت الافراد الى الدول. فالثورة الرقمية تزيل الدول الصغيرة والشعوب والاجناس التي تعتبر أقل أهمية وذكاء وقدرة. معادلاتها المقززة بدأت تبان. تداعياتها في الحروب ولن تنتهي في الاقتصاد والسياسة. والازمة بأنّ بعضنا مصرّ ان يواجها بسرديات ووسائل الامس حتى آخر قرية!
يضع البابا لاوون تجربة بابل في مقابل تجربة نحميا وبناء أورشليم. نحميا، القائد اليهودي في عهد آرتحششتا، جسّد نموذجًا سياسيًا تشاركيًا تصاعديًا: تفقد المدينة سرًا، خطط، وزّع العمل على الأسر والأحياء، فأثمر جهده تسريعًا وانضباطًا وشعورًا بالمشاركة والمسؤولية (نحميا 2–3). عرف بإصلاحاته الاجتماعية لحماية الفقراء وتنظيم الحياة العامة. معظم القوى وضمنا تل ابيب اليوم تغفل تجربة نحميا. يعتدون ببابل التي تولّد بلبلة وحروبا لا سلاما وتنمية. لن يتحقق السلام ان لم يدفن فكر يشوع بن نون وهذا لن يحصل على ما يبدو.
قديمًا كانت كنائسنا وجوامعنا تُبنى حجرًا، حجرًا. فكل فرد كان يتبرع بحجر. كانت التشاركية تولّد لدى الجميع شعورًا بالأهمية والانتماء. التشاركية تقوّضت على كل المستويات، ابتداء من القرية وصولا الى الأمم المتحدة. أضحت القواعد والمشروعات تفرض من فوق. ممارسات اليوم تشعرنا بانتفاء غاية وجودنا كدول وشعوب. رسالة البابا صرخة نبوية: هل من يقرأ ويسمع؟ متى يعاد تصميم القواعد والتكنولوجيات فتصير في خدمة "الإنسانية الرائعة"؟ والاهم، متى ندرك لبنانيا خطورة التحوّلات التكنولوجية وتداعياتها، فنلج الزمن بواقعية، مستخدمين وسائل جديدة ومنطقا جديدا لنضمن بقاءنا؟