Search Icon

إيران بعد تآكل الصبر الاستراتيجيّ: الحرب أو التفاوض القسريّ؟

منذ يوم

أقلام حرة

إيران بعد تآكل الصبر الاستراتيجيّ: الحرب أو التفاوض القسريّ؟

الاحداث- كتب أنطوان العويط

لم تعد عبارة “الصبر الاستراتيجي” توصيفًا كافيًا لسياسة طهران، بل تحوّلت، مع تراكم الضغوط، إلى قيدٍ ثقيل فقد قابليته للاستمرار. فإيران، التي أدارت صراعها مع واشنطن وتل أبيب، وكذلك مع الخليج العربي، من خلف ستار الوكلاء، لم تكن يومًا في وارد الذهاب إلى مواجهة مباشرة، بل راهنت طويلًا على مفهوم القوة غير المباشرة، حيث تُخاض المعارك على أطراف مشتعلة، وتُصان الجبهة الداخلية من الانكشاف.

في هذا السياق، توزّعت أدوار الاشتباك على خرائط متعددة في غزة واليمن والعراق ولبنان، فأبقت إيران النزاع حيًا من دون أن تفتح أبواب الانفجار الكبير.

غير أنّ هذا الواقع الذي صمد طويلًا، سرعان ما انهار في لحظة مدوية، إذ وقع ما لم يكن في الحسبان في حزيران من العام الماضي، حين جرى كسر الخط الأحمر عبر استهداف طال العمق الإيراني، في ضربات إسرائيلية تلاها انخراط أميركي - إسرائيلي في ذروة التصعيد، في سابقة أنهت عمليًا حصر المواجهة في ساحات الوكلاء، ونقلت الاشتباك إلى مستوى مباشر أكثر انفضاحًا وارتفاعًا في المخاطر.

كانت تلك بداية ضربة اختبارية امتدت على مدى اثني عشر يومًا فقط، دقيقة في أهدافها ومحدودة في نطاقها، لكنها كانت كافية لإعلان أنّ الجغرافيا الإيرانية لم تعد خارج معادلة الاستهداف. تعاملت طهران معها بمنطق الاحتواء، محاولة امتصاص الصدمة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة واسعة مفتوحة.

غير أنّها تلتها موجة ثانية هذه السنة، أكثر وضوحًا وتنظيمًا، بدت أقرب إلى نهج تصاعدي يستهدف بنى حساسة ويضغط باتجاه إعادة صياغة قواعد الاشتباك برمتها. وقد طالت هذه الموجة مستويات قيادية متعددة، في سياق استهداف واسع للبنية العسكرية والأمنية، بدءًا من الدوائر العليا وصولًا إلى حلقات أدنى، فيما تعرّضت البنى النفطية والعسكرية داخل العمق الإيراني لأضرار هائلة.

هذا التحول تحديدًا هو ما دفع طهران إلى إعادة حساباتها، حين وجدت نفسها أمام اختبار وجودي. فدخلت مرحلة مختلفة، قوامها استجابة لاعتقاد راسخ داخل دوائرها بأن النظام نفسه بات في دائرة الاستهداف، وأن حماية الجمهورية الإسلامية، بما تمثله من بنية سياسية وعقائدية، تتقدّم على سائر الحسابات.

فقد كشفت مجريات المواجهة عن اختلال عميق في موازين القوة لصالح المحور الأميركي - الإسرائيلي. وهنا، لم يعد خيار التصعيد المفتوح مطروحًا إلا في حدود ضيقة لدى بعض دوائر التشدد في الحرس الثوري، في مقابل اتساع قناعة داخل مستويات أخرى بضرورة إعادة التموضع وتعديل الإيقاع. فانتقلت طهران من “الصبر الاستراتيجي” الذي تآكل تحت ضغط النار وتبدّل موازين الردع، إلى ما يمكن تسميته بـ”الصبر التفاوضي”؛ دبلوماسية تُدار تحت وطأة الخسارة وتقلّص الهوامش، لا من موقع المبادرة أو الإمساك بزمام اللعبة.

بهذا المعنى، انطلقت جولات التفاوض كمسار إلزامي، متنقلة بين مسقط وجنيف، مرورًا بموسكو وإسطنبول، وصولًا إلى محطات بدت أقل تقليدية كإسلام آباد، حيث عُلّقت رهانات على قدرة الوساطة الباكستانية على فكفكة العقد المستعصية وفتح ثغرة في جدار القطيعة مع واشنطن. وكان التصور الإيراني يقوم على معادلة دقيقة، تهدف إلى بقاء النظام مقابل تنازلات متبادلة، تُبقي الهيكل قائمًا ولو جرى تعديل توازناته.

ومع تقدّم المسار، بدا أنّ المفاوضات تجاوزت شكلها غير المباشر نحو انخراط أكثر صراحة، مع دخول شخصيات قيادية على الخط، في محاولة لإضفاء طابع حاسم على التفاوض. غير أنّ قمة إسلام آباد، التي أحيطت بتوقعات مرتفعة، انتهت إلى فراغ ثقيل؛ فلا اختراق في ملف مضيق هرمز، ولا تقدم في معالجة عقدة اليورانيوم المخصّب بكل ما تحمله من أبعاد استراتيجية، إضافة إلى ملف الصواريخ والأذرع.

وفي موازاة ذلك، فوجئت طهران بمفارقة قاسية وقاتلة في آن معًا؛ فالإجراء الذي اتخذته كورقة ضغط، والمتمثل بإقفال مضيق هرمز، انقلب عليها بحصار أميركي على موانئها، وارتدّ خنقًا شديدًا على اقتصادها ونفطها، وضيّق هوامش حركتها بدل أن يوسّعها.

اليوم، يبقى التفاوض حاجة لإيران، لا بوصفه خيارًا مريحًا، بل مسارًا اضطراريًا فرضته اختبارات القوة وحدودها. إنها دبلوماسية تُبنى على أنقاض رهانات سابقة، وضمن هذا الهامش الضيق يتحدد ما إذا كانت طهران قادرة على العبور نحو تسوية ما، في حال سمحت توازنات الداخل، وفي مقدمها حسابات الحرس الثوري، بفتح هذا المسار.

في المحصلة، لا يبدو أنّ واشنطن تترك هامشًا حقيقيًا للتنازل. فالمعادلة المطروحة ليست بين مرونة وتسوية، بل بين مسارين كلاهما شديد الكلفة: إما انزلاق إلى جولة مدمّرة من حرب متجددة تفرض لاحقًا شروطها بالقوة والوقائع، وإما الذهاب إلى تسوية شاملة تُصاغ تحت سقف التفاهمات الكبرى.

وبين هذين الاحتمالين، يتبدّى أنّ ما يُرسم ليس مجرد إدارة أزمة، بل إعادة هندسة لمسار الإقليم برمّته، حيث لا مكان لأنصاف الحلول، ولا قدرة على تدوير الزوايا إلى ما لا نهاية. فإما حسم يولد من رماد التصعيد، وإما اتفاق كبير يُغلق أبواب الانفجار المفتوح على كل احتمالاته.