الاحداث - كتب النائب بيار بو عاصي في صحيفة النهار يقول:"الأمر المشترك بين جميع البلدان والأمم والمجتمعات، من دون استثناء، أنها مبنية على أسطورة مؤسِّسة. كيف لأسطورة في جوهرها غير موثوقة وغير قابلة للتحقق من صحّتها، أن تحمل على منكبيها الهزيلين صرح هويّة أمة بأكملها؟
الرد المنطقي هو التسليم باستحالة ذلك، ولكن ما هو عاطفيّ وغير واقعي أو منطقيّ يطغى دائمًا على ما هو عقلاني. هذا ما يفسّر طول أعمار الأساطير في روح الفرد والجماعة.
العاطفة أساس كل حضارة والى حد كبير كل ديانة، منذ فجر التاريخ ومنذ نشوء المجتمعات. كلمة أسطورة Mythe تشتق من كلمة Muthos، وهي كلمة يونانية قديمة تشير إلى اعتبار الفرضيّة حقيقة. بمجرد أن يتم اعتبار الفرضية حقيقة، تنتفي الحاجة إلى إثباتها كما يُحظّر التشكيك فيها فتصبح حقيقة ذاتية مطلقة.
"الفرضيّة الحقيقة" تدمّر الحس النقدي لدى الفرد والجماعة وأي محاولة لفهم جوهرها تضحي من المحرمات.
تحمل الأسطورة في ذاتها رهاب حرية الفرد والرغبة في خلود المجتمع وكلاهما وَهمٌ. إنّهُ حال الأساطير والمعتقدات والإنسانية عبر التاريخ.
حملَت الإلياذة والأوديسة، المنسوبتان إلى هوميروس، آلهة الأوليمبوس لأجيال وأجيال فكانتا عنصرين مهمين في الأساطير التأسيسية للحضارة اليونانية القديمة وديانتها.
ما لم يكن متوقعاً هو أن الإلياذة والأوديسة ومؤلفهما سيتحرّرون من الدين الذي كانوا يهدفون إلى ترسيخه. إستمرّت الكتابات والأدب على أنقاض الرسالة الدينية.
تشكّل الأساطير حصنًا للروابط بين أعضاء الجماعة فتسمح لهم بتأسيس مجتمع ليصبح أفراده أكثر تجانسًا حول منظومة قيم مشتركة.
تُطَمئن الهيكلية الاجتماعية الجديدة الجماعة لكنها تعرّض حرّية الفرد وحسّه النقدي للخطر.
قوة الجماعة تؤدي إلى ضعف الفرد. والعكس بالعكس، لذا إن أي حرية للتشكيك في النظام القائم قد تصبح مرادفة للإقصاء أو التكفير أو الحرمان. ترسم النصوص المقدسة الخطوط العريضة للإيمان والرذيلة والفضيلة والخلاص والإدانة والجنّة والجحيم.
هل الكتب المقدسة مصدر للإيمان أو نتيجة له؟ يدّعي البعض أنهم يقرأونها بغية اختيار طريقهم في حين أن الحقيقة هي أنهم يقرأونها ايماناً منهم بها. أيًّا كانت العلاقة بين الكِتَاب والإيمان، فهذان العنصران سيحددان في نهاية المطاف الملامح الرئيسية للهوية والقيم المشتركة.
توفِّر القصص الأسطورية شعورًا بالمناعة في وجه تحديات الواقعية والعلم والزمن وما ذلك إلا مجرد وهْم. تفرض الأساطير التأسيسية على الفرد التخلي عن روحه النقدية وعن فرادته.
بالإضافة إلى الأساطير الدينية، فإن للناس أساطيرهم التاريخية، التي غالباً ما تكون ممجِّدة للوطن ومبالغ بها ومغلوطة. تتغنّى الدول بأمجادها من خلال قراءة مُشوَّهة للتاريخ سعياً للبطولة وهي مصدر اطمئنان.
نالت غالبية الدول استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية وبعد احتلال طويل فجاءت الأساطير التأسيسية لمساعدتها. مصر عربية وفرعونية. العراق عربي من بلاد الرافدين. سوريا عربية وآشورية...
ماذا عن إسرائيل؟
إن إسرائيل هي بلا شك الدولة الأكثر انغماساً في الأساطير. إن الأسطورة التأسيسية لإسرائيل، تاريخًا ودينًا، هي مبرّر وجود هذه الدولة الحديثة جدًا. إن الأرض التي وعد بها يهوه الشعب اليهودي هي ملكهم بغض النظر عن الحقائق التاريخية والظروف السياسية والواقع الديموغرافي. تم نفي العقل تمامًا لمصلحة الأسطورة.
ومع ذلك، فإن الحفريات الأثرية للعثور على آثار لإبراهيم وقبيلته لم تؤتِ نتيجة. ينطبق الأمر نفسه على موسى وسفر الخروج. لقد تم التخلي عن الحفريات لكن الإيمان يبقيها حية أكثر من أي وقت مضى.
منذ إبراهيم، سقطت أرض إسرائيل المذكورة على التوالي في أيدي #الآشوريين، البابليين، الفرس، اليونانيين، الرومان، الساسانيين، الصليبيين، المماليك، العرب والإنجليز...
بعد حوالى ألفي عام على تدمير الهيكل من قبل تيتوس، طالبت الحركة الصهيونية بأرض إسرائيل، معتمدة بشكل شبه حصري على فسيفساء من الأساطير الدينية والتاريخية.
ليست الحالة اللبنانية استثناءً من هذا الإطار المعقّد. فخصوصية النموذج اللبناني هي تعدّد مجتمعه ومكوناته. بعضهم عرب مسلمون وبعضهم مسيحيون فينيقيون وسريان في آن…
في الواقع كل جماعة تسعى إلى التمايز والتفوّق على الأخرى، من خلال التعريف عن نفسها بطريقة سلبية. تعريف المسيحي هو أنه ليس مسلماً، والعكس صحيح.
في لبنان لكل مجتمع أسطورته التأسيسية، لكن لا توجد أسطورة تاريخية ولا دينية توحّدهم.
تعاني بعض الدول من فائض الأساطير، والبعض الآخر، كلبنان، يعاني من عدم كفايتها. إن البحث عن الممالك المتلاشية لا يؤدي الى العثور على مملكة مستجدّة. اندثرت تلك الممالك إلى الأبد وإكسير شبابها ليس سوى وهم عابر.
كيف السبيل لدرء التعلّق العميق بمعتقد وهمي؟
كان بإمكاننا العودة إلى الفيلسوف جاك دريدا ونظرية تفكيك المبني أو إلى ناقد الأساطير ميرسيا إلياد أو عالِم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس.
التفكيك لإعادة البناء بشكل أفضل؟
تبديد الأوهام من أجل التغلّب على الأسطورة؟
إستخدام المنطق لترويض العاطفي؟ كل هذه النظريات غير قابلة للحياة خارج مختبرات الأفكار.
كلمة Credere باللاتينية تعني الثقة وهي فعل إيمان وعقيدة. في العديد من اللغات تكون هذه العبارة رديفة للشك. أنا أؤمن إذاً أنا متأكد. أنا أعتقد، إذاً انا لست متأكدًا...
اجتمع اليقين والشك في كلمة واحدة فلماذا يستحيل اجتماعهما في أذهاننا؟
الأسطورة التأسيسية أو الإيمان الأسطوري، هما في كل الأحوال مرادفان لهوية مشتركة.
غير ملحوظة وغير محسوسة وغير قابلة للتعريف، تكون الأسطورة في بعض الأحيان تأسيسية ومدمرة في الكثير من الأحيان. تلعب الأساطير دورًا رئيسيًا في هيكلة الهوية، التي هي أيضًا غير ملحوظة وغير محسوسة وغير قابلة للتعريف.
إن الأمور غير الملحوظة، وغير المحسوسة، وغير القابلة للتعريف هي التي تدير حياتنا.
منذ فجر التاريخ والبشرية تتأرجح بين الحلم والكابوس على هامش العقل والوقائع.
هذا هو حال الأساطير، هذا هو حال المعتقدات وهذا هو حال العالم.