Search Icon

الإصلاح المعلّق بين الدولة العميقة والدولة العقيمة
هل أصبح تعديل النصوص بديلا عن محاسبة من أساؤوا تطبيقها؟

منذ ساعتين

من الصحف

الإصلاح المعلّق بين الدولة العميقة والدولة العقيمة
هل أصبح تعديل النصوص بديلا عن محاسبة من أساؤوا تطبيقها؟

الاحداث- كتب نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب  غسان حاصباني في صحيفة نداء الوطن يقول :"اعتاد بعض الذين يتولّون مواقع المسؤولية في لبنان التذرّع بالإصلاح لتكريس المحاصصة وتعميق النفوذ داخل هيكلية الدولة ومؤسساتها. فبدلا من أن يكون الإصلاح وسيلة لتطوير الإدارة وتعزيز الحوكمة، تحوّل، في كثير من الأحيان، إلى عنوان لتقاسم المواقع وإعادة إنتاج موازين القوى القائمة.

واللافت أن العديد من القوانين والمؤسسات التي ما زالت تشكّل، حتى اليوم، العمود الفقري للإدارة اللبنانية، وُضعت خلال عهدَي الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب، في مرحلة تأسيسية تلت الاستقلال ونصَّ الدستور والميثاق الوطني. ففي تلك الحقبة، أُنشئت مؤسسات رقابية وإدارية أساسية، من أبرزها مجلس الخدمة المدنية (1959)، والتفتيش المركزي (1959)، وديوان المحاسبة بصيغته الحديثة، كما وُضع قانون الموظفين وسلسلة من التشريعات الإدارية التي هدفت إلى بناء دولة المؤسسات وإرساء قواعد الإدارة الحديثة.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية وإقرار وثيقة الوفاق الوطني وتعديل الدستور، كان من المفترض أن يدخل لبنان مرحلة جديدة من بناء الدولة. وفي مطلع الألفية الجديدة، أُقرّت مجموعة من القوانين الإصلاحية الهادفة إلى مواكبة التحولات العالمية في إدارة المرافق العامة، وتعزيز الشفافية، وجذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات العامة. ومن أبرز هذه القوانين قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 لعام 2002، وقانون تنظيم قطاع الاتصالات رقم 431 لعام 2002، إضافة إلى تشريعات أخرى استهدفت تحديث قطاعات حيوية، كالنقل الجوي والأسواق المالية والشراكة بين القطاعين العام والخاص.

إلا أن النتيجة، بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا على انتهاء الحرب، كانت مخيبة للآمال. فالاقتصاد انهار، والنظام المالي والنقدي سقط في واحدة من أكبر الأزمات المالية في العالم الحديث، والخدمات الأساسية ما زالت تعاني من التراجع أو الانعدام، فيما بقيت الدولة عاجزة عن استعادة ثقة مواطنيها أو المستثمرين بها.

يكمن التفسير الأساسي لهذا الفشل في غياب المواءمة بين النصوص والنوايا، وفي استمرار النهج القائم على المحاصصة وتقاسم النفوذ، وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع السياسي، وتحويل المؤسسات إلى ساحات للمقايضة بين المصالح المالية والنفوذ السياسي والسلاح الخارج عن سلطة الدولة. فالنصوص القانونية إما بقيت حبرًا على ورق، أو جرى تطبيقها بصورة مخالفة لروحها، أو نُفّذت بشكل جزئي ومتقطع، أو عُطّلت بالكامل بانتظار تسويات سياسية.

وإذا أردنا تحديد بعض مكامن الخلل، يكفي التوقف عند مجموعة من النصوص الأساسية:

أولًا، الدستور اللبناني المعدّل بموجب وثيقة الوفاق الوطني لم يُطبّق بكامل مندرجاته. وما نُفّذ منه خضع، في كثير من الأحيان، لتفسيرات وممارسات غيّرت جوهره، ما أدى إلى تكريس أعراف موازية للنصوص الدستورية.

ثانيًا، قانون النقد والتسليف، الصادر بموجب المرسوم رقم 13513 بتاريخ 1 آب 1963، والذي يشكّل الركيزة الأساسية للنظام النقدي والمصرفي اللبناني، لم يكن يفتقر إلى النصوص بقدر ما افتقر إلى حسن التطبيق والمحاسبة. فقد شهدت العقود الماضية تدخلات سياسية واسعة في السياسات المالية والنقدية، ومرّت مخالفات كبيرة من دون محاسبة فعلية حتى اليوم. والمفارقة أن لبنان يتجه حاليًا، تحت عنوان التفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلى تعديل بعض النصوص الأساسية الناظمة للقطاع المالي قبل محاسبة المسؤولين عن سوء التطبيق. بل إن بعض المقترحات المطروحة تثير مخاوف من تشتيت المسؤوليات وتوسيع مساحة التدخل السياسي في مؤسسة يُفترض أن تتمتع باستقلالية عن السلطة التنفيذية. والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المطالبين اليوم بإدخال ممثلين عن السلطة السياسية إلى هيئات رقابية ومصرفية هم أنفسهم الذين أمضوا سنوات ينتقدون التدخل السياسي الذي ساهم في الانهيار المالي. وهنا يبرز السؤال المشروع: هل نحن أمام إصلاح فعلي أم أمام حالة "قُوم لأقعد محلّك"؟ وهل أصبح تعديل النصوص بديلا من محاسبة من أساؤوا تطبيقها؟

ثالثًا، قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462، الصادر عام 2002، بقي معطّلا لأكثر من عقدين بحجة ضرورة تعديله قبل تطبيقه. وخلال هذه الفترة، انهار القطاع بالكامل، وتكبّدت الدولة عشرات مليارات الدولارات من الخسائر والدعم الذي استُنزفت عبره أموال اللبنانيين والمودعين. واليوم، وبعد بدء تنفيذ القانون من خلال تعيين الهيئة الناظمة، تواجه هذه الهيئة تضييقًا ماليًا وإداريًا يحدّ من قدرتها على العمل، ويهدد بإبعاد الكفاءات التي اختيرت وفق آلية شفافة، في ظل غياب مقر مناسب وموازنة كافية، ما يؤخر عملية الإصلاح من جديد.

رابعًا، قانون تنظيم قطاع الاتصالات رقم 431 لعام 2002 يسلك المسار نفسه تقريبًا. فبعد أربعة وعشرين عامًا على إقراره، بدأ تنفيذ بعض أحكامه، لكنه يصطدم بمصالح مترسخة داخل البنية القائمة. فهناك شبكة معقدة من التوازنات بين شركتَي الخلوي، ومقدمي خدمات الإنترنت والداتا، وهيئة "أوجيرو" التي تحولت، مع مرور الزمن، من هيكلية انتقالية إلى ما يشبه شركة الاتصالات الوطنية الفعلية. وأصبح من الصعب الانتقال إلى النموذج الذي رسمه القانون من دون معالجة أوضاع العاملين والمصالح التي نشأت خلال العقود الماضية.

ولا يقتصر الأمر على مقاومة أصحاب المصالح للوضع الجديد، بل إن تطبيق هذه القوانين يجري أيضًا في بيئة تنعدم فيها الشهية الاستثمارية. فاستمرار الوضع الأمني غير المستقر، ووجود السلاح خارج إطار الدولة، وغياب المعالجات الجدية للأزمة المالية والاقتصادية، إضافة إلى استمرار لبنان تحت وطأة التصنيفات السلبية والرقابة الدولية، كلها عوامل تحدّ من فرص نجاح أي إصلاح حقيقي.

وينطبق الأمر نفسه على ملفات الإصلاح القضائي، وعلى قانون التقاعد والحماية الاجتماعية الذي أُقرّ عام 2023 ليحلّ تدريجيًا محل نظام تعويض نهاية الخدمة التقليدي، وعلى عشرات القوانين الأخرى التي أُقرّت أو أُشبعت درسًا، لكنها ما زالت تنتظر تحرير التشريع والتنفيذ من قبضة الدولة العميقة القديمة، ومن شهية دولة طامحة تنتظر دورها للسيطرة على المواقع والمصالح.

وفي موازاة ذلك، ما تزال المؤسسات والهيئات واللجان الموقتة وصناديق الهدر والمحاصصة، التي أُنشئت عبر السنوات، قائمة بمعظمها من دون مراجعة أو إعادة هيكلة أو إقفال. وهي تستنزف المال العام، وتوفر مواقع نفوذ وتوظيف، وتعمل، في كثير من الأحيان، ضمن رقابة محدودة، ما يسمح باستمرار شبكة المصالح التي تشكل أحد أعمدة الدولة العميقة. فهناك، مثلا، من السياسيين مَن يتمسّك بمؤسسات لا تعمل بهدف الإبقاء على وظيفة رئيسها التابعة لطائفة معينة، أو إيجاد موقع بديل للطائفة.

وهكذا، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد معلّق بين دولتين: دولة عميقة قديمة ما زالت تمثل المنظومة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار وتسعى إلى الحفاظ على امتيازاتها، ودولة طامحة يمثلها بعض الساعين إلى النفوذ ممن يستخدمون شعارات التغيير أو الإصلاح أو الاثنين معًا، بانتظار وراثة المنظومة القائمة وإعادة إنتاجها بأدوات جديدة.

أما الإصلاح الحقيقي، فيبقى محصورًا بأقلية تؤمن ببناء الدولة الفعلية وتطبيق القانون والمحاسبة، وهي أقلية تُتّهم غالبًا بأنها "تحمل السلّم بالعرض"، أو بأنها متشددة أو انعزالية، فقط لأنها ترفض الخضوع لمنطق التسويات الذي حكم البلاد لعقود. وبين الدولة العميقة التي تخشى خسارة نفوذها، والدولة الطامحة التي تسعى إلى وراثته، يبقى الإصلاح معلّقًا، وتبقى الدولة المنشودة مشروعًا مؤجلا بانتظار إرادة سياسية تضع المصلحة العامة فوق المصالح الفئوية، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة نفسها.

لكن الأخطر من ذلك أن الصراع الدائر لا يبدو، في كثير من الأحيان، صراعًا بين مشروع إصلاحي ومشروع محافظ، بل بين من يتمسكون بمواقع النفوذ القائمة ومن يستعدون لشغلها. لذلك تتعثر القوانين، وتتأخر المراسيم التطبيقية، وتُفرغ الهيئات الناظمة من مقومات عملها، وتبقى المحاسبة غائبة، لأن الإصلاح الحقيقي يهدد مصالح الطرفين معًا. وهكذا يستمر لبنان في الدوران داخل الحلقة نفسها: نصوص متقدمة، ومؤسسات معلّقة، ووعود متكررة، فيما الدولة الفعلية تبقى رهينة توازنات تمنع قيامها بالكامل أو انهيارها بالكامل.

وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي تغيير القوانين إذا بقيت الذهنية نفسها، ولا يكفي تبديل الأشخاص إذا استمرت المنظومة ذاتها. فالإصلاح لا يبدأ من النصوص، بل من الالتزام بتطبيقها، ولا من إنشاء مؤسسات جديدة، بل من تحرير المؤسسات القائمة من الوصاية السياسية. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى اللبنانيون عالقين بين دولة عميقة تعيش على إرث الماضي، ودولة عقيمة تتطلع إلى وراثته، فيما الدولة التي يحلمون بها ما زالت تنتظر من يبنيها.