الاحداث - كتب فيكتور الزمتر*
تُخاضُ انتخاباتُ الكنيست الإسرائيلي السادس والعشرين، في ظلال"طوفانُ الأقصى"، وعلى وقع صيحات "أللَّه أكبر"، المُعبِّرة عن الغضب الفلسطيني المكبوت، بعد ثمانية عقودٍ على الإغتصاب المشهود لفلسطين. تلك الصرخاتُ، ما زالت تطنُّ في آذان الإسرائيليين، بعد أنْ هزَّت ثقتَهم بدولتهم، وحطَّمت شعورَهم بالأمان.
وفي حمأة التصويت، يجدُ الناخبُ الإسرائيلي نفسَه، عند مُفترق طُرقٍ حاسمٍ، بحثاً عن الأكثر قُدرةٍ، على حماية أمنه الوُجوديّ. فالتصويتُ مصيريٌّ لترجيح الخيار، بين البقاء أو المُغادرة، وسط الخوف من أنْ يكونَ التصويتُ تذكيراً للمُستوطن الناخب، بأنَّه من الـ"Diaspora وإلىالدياسبوره يعودُ"!
هكذا، تخرجُ الإنتخاباتُ الإسرائيليةُ، هذه الدورة، عن إطار التداوُل الدوري للسلطة، وعن إعادة تكوين موازين القوى النيابية. فهي تأتي والوجدُ الإسرائيلي، في قلقٍ عميقٍ، ما سيُرخي بثقله على خيارات الناخبين، ليس فقط على اسم رئيس الوزراء العتيد، بل على مستقبل الكيان. فالإنتخاباتُ قد تكونُ أقربَ إلى التصويت، على هويَّة وصفاء الدولة، واستفتاءً على سياسة السير، بالإستحواذ على كامل التراب الفلسطيني، بما يدفنُ حلمَ قيام الدولة الفلسطينية.
ويتزامنُ الإستحقاقُ الإنتخابي، مع مواجهة الكيان قضايا وُجوديةٍ، بعد حروبٍ على سبع جبهاتٍ، غير محسومةٍ الخواتيم. وهذا ما يجعلُه يعيشُ حالةَ استنزافٍ، وسط هشاشة وحدته المُجتمعية، نتيجة الشرخ بين النُخَب العلمانية والتيار الديني الآخذ بالتطرُّف. واستطلاعاتُ الرأي لا تُنبئُ، بفوز أحد الأحزاب المتنافسة، بتفويضٍ كاسحٍ يُرسِّخُ تماسكَ العقد الاجتماعي، ما ينطوي على مُراوحةٍ، أو أزمةٍ سياسيةٍ، قد تستدعي جولةَ انتخابات ثانيةٍ.
ويتركَّزُ الخطابُ الإنتخابي، على جملة عناوين، أوَّلُها تحديدُ المسؤوليات، عن أحداث 7 تشرين الأوَّل 2023، عبر لجنة تحقيقٍ رسميةٍ، يرفضُها نتنياهو. ولعلَّ إفراطَ هذا الأخير، باستعمال القوَّة، نوعٌ من التكفير عن تقصير حكومته، في استشعار هجوم حماس، وتجاهُل التحذيرين المصري والإماراتي.
على المحور الإيراني، التبسَ الوضعُ على التيار الأمني المُتشدِّد، بين تأييده ضرب إيران، وبين خيبته من عدم الخلاص من نظامها، بما يُزيلُ كابوسَ برنامجها النووي، وصواريخها الباليستية.
وعلى الصعيد الداخلي، يبرزُ موضوعُ الإعفاء من الخدمة العسكرية، لـ"طائفة اليهود الأرثوذكس" المتشدِّدين "الحريديم"، المتوجِّسين من خطر الحداثة والعلمنة، على هويَّتهم المُحافظة. إلى ذلك، لا يغيبُ الإصلاحُ القضائي، عن برامج الأحزاب الانتخابية، لما يُثيرُه من انقسامٍ شديدٍ، ربطاً بمستقبل النظام الديمقراطي المزعوم. كما يحتلُّ الإقتصادُ حيِّزاً من الإهتمام الإنتخابي، لجهة انعكاس حالة الحرب، على ارتفاع موازنة الإنفاق الدفاعي، وعلى كلفة المعيشة.
ومع ذلك، يبقى نتنياهو ومصيرُه السياسي والشخصي، محورَ الإنتخابات، وإنْ كان مُستبعداً، نيلُ ائتلافه، بجناحيه السياسي اليميني والديني المُتطرِّف، الأغلبية المُطلقة، ما يعكسُ تعبَ الرأي العام من قيادته، المُثيرة للجدل داخلياً ودولياً. مقابل ذلك، تُجمعُ أحزابُ المعارضة، على إسقاطه بشتى الوسائل، وعلى إقناع الناخبين بضرورة التغيير. إلّا إنَّها تفتقرُ إلى برنامجٍ متماسكٍ وموحَّدٍ، قادرٍ على لجم التطرُّف.
وبكلّ الأحوال، من المستبعد أن تفرزَ نتائجُ الانتخابات، تحوُّلاً في استراتيجية إسرائيل، تجاه صراعاتها الإقليمية، لا سيَّما ما يتصلُ بمواجهة إيران ومحور المقاومة، كضرورةٍ وُجوديةٍ عابرةٍ لأحزاب إسرائيل الرئيسية. أمّا رفضُ قيام الدولة الفلسطينية، فقد تمَّت مأسَسَتُه برلمانياً، منذ نيله أغلبية 68 صوتاً، في الكنيست، في تمُّوز 2024، تعتبرُ قيامَ الدولة الفلسطينية، "خطراً وُجودياً على دولة إسرائيل ومواطنيها". واستُكملت هذه المأسَسَةُ، في تمُّوز 2025، بإقرار إعلانٍ، أيَّدَه 71 نائباً، يدعو الحكومةَ، لتطبيق السيادة الإسرائيلية، على جميع "مناطق الإستيطان اليهودي"، في الضفَّة الغربية وغور الأُردن.
واضحٌ أنَّ هذه المأسَسَةَ، هي واحدةٌ من بواكير "طوفان الأقصى"، بقدر ما هي دلالةٌ على التشدُّد والتطرُّف، ربطاً بالتحوُّل، في مفهوم الأمن الإسرائيلي، الذي كان قائماً على الردع، حتى عشية 7 تشرين الأوَّل 2023. فهذا المفهومُ باتَ، الآن، يتجاوزُ كاملَ فلسطين، إلى جوارها، ليُفتي بإقامة مناطقَ عازلةٍ، تُحيطُ بالكيان الإسرائيلي، إحاطة السِوار بالمِعصَم. وهذا ما يُفسِّرُ سياسةَ الأرض المنكوبة، في الحملة على غزَّة والضَّفَّة ولبنان وسوريا، ضماناً لمُتطلَّبات الأولوية المطلقة للأمن، وفق التعريف الإسرائيلي المُستحدث.
وأمام غياب العرب المُطلق، عن أنين غزَّة وجنوب لبنان المُدمَّرَين، وعن استكمال احتلال جبل الشيخ، من السذاجة انتظارُ تراجُع رئيس الوزراء العتيد، من الموالاة كان أو من المعارضة، عن تلك "الفتوحات"، المُتماهية مع إجماع الإسرائيليين الواسع، الداعم للعمليات العسكرية التوسُّعية.
إذاً، المسرحُ في إسرائيل، والجمهورُ في العالم العربي. أما الحدثُ، فيتمثَّلُ بعرض سياسات المرشَّحين، لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، ليتسنّى للحُكّام العرب، تلمُّسَ مآلات التصويت، ليبنوا على النتائجُ، المُقتضى الأنجعَ لدوام بقائهم في السلطة.
اثنتان وعشرون دولةً عربيةً، تُتابعُ الحدثَ عن كثب، من خلال سِيَرِ المُرشَّحين، بدلَ أنْ تصنعَ هي الحدثَ، بالفعل لا بردَّة الفعل. إنَّ انعدامَ التزام العرب الجاد، بقضاياهم المصيرية، يجعلُ إسرائيلَ تسخرُ من تكرار إداناتهم الممجوجة. و"شرُّ البلية ما يُضحكُ"، في اكتفاء العرب بتمنّي الفوز للأقلّ شرّاً، وكأنَّي بهم "يطلبون الدبسَ من دبر النمس"، إذ لم يتعلَّموا بعد، أنَّ المُوالاةَ والمعارضةَ، في إسرائيل، هما وجهان لعُملةٍ واحدة.
*سفير سابق