الاحداث- كتبت زينب حمود في صحيفة الاخبار تقول:"مع بدء الاعتداءات الإسرائيلية في عام 2023، شكّلت مدينة صور الملجأ الأول للنازحين من القرى الأمامية، وبقيت كذلك حتى عدوان 2024، ومن ثم الحرب الحالية.
فاستقبلت 300 نازح من أبناء الضهيرة ويارين ومروحين وبليدا وراميا والبستان، في ثلاثة مراكز إيواء لأكثر من سنتين. بعد ذلك، انضمّ إليهم سيل من النازحين من 176 بلدة جنوبية، أغلبها في قضاء صور، مثل عين بعال وصديقين، وضمنها قرى حدودية مثل حولا وعيترون وراميا والناقورة وبرعشيت وحاريص وكفرا وياطر وبيت ليف وشمع والبياضة.... جرّاء توسّع العدوان في 2 آذار 2026.
وبعد اشتداد الخروقات التي تشهدها الهدنة «المزعومة»، نشطت حركة النزوح باتجاه صور أكثر، مع تفضيل جزء كبير ممن عادوا إلى قراهم في أول أيام الهدنة، من أماكن نزوحهم في صيدا والجبل وعكار وغيرها من المناطق البعيدة، النزوح هذه المرة إلى أقرب منطقة من قراهم، أي صور.
وبحسب إحصاءات اتحاد بلديات صور، ارتفع معدّل النزوح بعد الهدنة مباشرة 4% (من 14% من مجموع السكان إلى 18%)، علماً أن أعداد النازحين تزداد بعد كل تصعيد في القرى المجاورة. بعضهم يبقون في المدينة، فيما ينزح البعض الآخر مؤقّتاً ريثما يهدأ القصف، أو يحلّ الليل، ويعودون بعد قضائهم أحياناً يوماً كاملاً على الكورنيش البحري.
ويبلغ إجمالي عدد النازحين في قضاء صور (الغالبية الساحقة نزحت إلى المدينة) 24,199 نازحاً، أي 5,793 عائلة، على الشكل الآتي: 4,661 نازحاً (1,256 عائلة) في 17 مركز إيواء، و19,583 نازحاً (1,537 عائلة) في الشقق (استضافة وإيجار) والخيم المنتشرة على شاطئ البحر وفي الحديقة العامة.
اكتظاظ وشحّ في الموارد
القاسم المشترك بين جميع هؤلاء النازحين، القدامى والجدد، الدائمين والمؤقتين، المشرّدين في العراء أو المقيمين في مراكز النزوح، أنهم يعيشون ظروفاً قاسية، وحالة استنزاف نفسي وجسدي، تتفاقم يوماً بعد يوم. يعضّ النازحون في مراكز الإيواء على جرحهم خوفاً من خسارة المأوى المؤقّت، لكنّ عاملين اجتماعيين مراقبين للأوضاع هناك يحذّرون في حديث مع «الأخبار» من وصول هؤلاء إلى مرحلة الانفجار.
ويتفق معهم مسؤول وحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات صور، مرتضى مهنا، مؤكداً أن «الوضع مأساويّ في صور بالنسبة إلى النازحين، والصامدين؛ في قرى معزولة، محالّها مُقفلة، والأعمال فيها مُعطّلة». ويُعيد مهنا ذلك إلى «الاكتظاظ الكارثي في صور الذي يزيد 20% عن قدرتها الاستيعابية، مع وصول عدد سكان المدينة اليوم إلى نحو 90 ألف نسمة، مع رفض النازحين التوجه نحو صيدا وبيروت».
ويُشار، في هذا السياق، إلى أنه عندما اشتدّت الحرب، وقبل أيام قليلة من قطع الجسور في الجنوب، حاول المسؤولون إجلاء نازحي صور، تارةً بترغيبهم بـ«مراكز في عكار والبترون جاهزة لاستقبالهم، مع تولّي الجيش اللبناني واليونيفل نقلهم إليها»، وتارةً بترهيبهم بأن «الوضع سيسوء هنا، وسيتعذّر توصيل الطعام إليهم».
لكنّ النازحين رفضوا رفضاً قاطعاً الخروج من بوابة الجنوب. وعبّرت عن ذلك سيدة مُسنّة، بالقول: «لا أخرج من هنا إلا إلى مقبرة بلدتي بيت ليف»، فيما علّقت مُسنّة بعد إحساسها بمخطط لتفريغ الجنوب واجتثاثهم منه: «اليوم تأخذوننا إلى صيدا، وغداً إلى طرابلس، وبعدها ربما إلى العراق».
«الشؤون» تأتي للإحصاء فقط
وفي مقابل العدد الكبير من النازحين والصامدين في قراهم الذين يحتاجون إلى إغاثة عاجلة، يشكو مهنا من «الموارد الشحيحة جداً، خصوصاً عند المقارنة مع ما كانت عليه المساعدات في عامي 2023 و2024»، لافتاً إلى أن «وزارة الشؤون الاجتماعية لا تتطلّع إلى النازحين في صور، إلّا عندما تقوم بإحصاء الأعداد، بينما الجمعيات العاملة اليوم تُعدُّ على أصابع اليد».
نحو 186 عائلة نازحة في خيم، لا تصلها وجبات غذائية، وتعاني للدخول إلى المراحيض
وأكثر ما يشكو منه النازحون في مراكز الإيواء اليوم، هو الطعام الذي «لا يليق بالبشر في كثير من الأحيان، سواء من حيث الجودة أو الكمية أو طريقة التوزيع»، يقول أحدهم، إذ تصل وجبات الطعام مرة واحدة في اليوم، وأحياناً لا تصل في اليوم أي وجبة.
وبينما يُروِّج البعض لفكرة أن «الناس لا يريدون الطعام، ويرمونه»، تقول ناشطة اجتماعية في أحد مراكز صور لـ«الأخبار» إن «البعض يرفضون فعلاً تناول الوجبات التي توزّع عليهم لأنها ببساطة لا تليق بهم، من حيث الشكل والرائحة، عدا الطعمة، غير أنها مُكرّرة وغالباً تكون أرزاً». وفي هذا السياق، دخل رجل إلى أحد محالّ بيع اللحوم في صور، وهو يردّد: «والله اشتهينا اللحمة»، فسأله أحدهم: «ما عم يجيبولكن لحمة عالمركز»، ليردّ عليه وهو يضحك: «ما بجيبوا غير رز مبلول».
في المقابل، يقول مهنا إنّ «هناك 4,500 وجبة تحضر يومياً، في مطبخ جماعي يشرف عليه الاتحاد مباشرة، وتقوم «هيئة الأمم المتحدة للمرأة» بتشغيل سيدات نازحات في المطبخ مقابل بدل مادي (15 دولاراً يومياً)، بينما تؤمّن «منظمة الرؤية العالمية» المواد الأولية»، مؤكّداً أن «الطعام يوزّع يومياً على مراكز الإيواء، وننوّع في الأصناف وندخل اللحوم متى توفّرت لدينا».
إضافةً إلى ذلك، يعاني النازحون في صور من نقص حادّ في مياه الشرب (أكثر من 31 ألف نازح)، إذ إن ما يصلهم معدّله ربع ليتر للفرد يومياً، ما يشكّل خطراً مباشراً على صحتهم، خصوصاً الأطفال وكبار السن. ويُضاف إلى ذلك نقص الخبز، والحصص الغذائية والتنظيفية، والحليب وحفاضات الأطفال (أكثر من ألف طفل نازح). ويشكّل النقص في تأمين حاجة النازحين من الأدوية تحدّياً خطيراً أيضاً، خصوصاً أن الصليب الأحمر لا يغطي كل المطلوب.
وفي المقارنة مع باقي مراكز النزوح، تُعدُّ مراكز صور الأكثر اكتظاظاً، إذ تقطن ثلاث أو أربع عائلات في غرفة واحدة، بينما تنتشر العائلات في الممرات، بعدما نصبت خيماً أو استحدثت قواطع بحبال الغسيل لتحافظ على قليل من خصوصيتها. كما انتظر عدد من النازحين أكثر من شهر ليحصلوا على وسادة وفرشة، فراحوا يفترشون الأرض ويضعون ملابسهم تحت رؤوسهم. وهناك أكثر من 10 آلاف لا يزالون من دون وسادة حتى الآن، وفق البيانات المُسجّلة في اتحاد بلديات صور، والتي تبيّن الفجوات الكبيرة بين الحاجات الأساسية والتقديمات الفعلية.
نازحو الخيم
ويبقى وضع النازحين في مراكز الإيواء أفضل مما هو عليه في الحديقة العامة، التي تقع في جوار مدارس «الست رباب». هناك، تعيش حوالي 186 عائلة أغلبها من النازحين السوريين، ظروفاً قاسيةً جداً، بحيث لا تصلهم وجبات غذائية، ويعانون للدخول إلى المراحيض، نظراً إلى وجود اثنين فقط في الحديقة لا يكفيان لنحو ألف نازح، ما يضطرهم إلى النزول إلى البحر أحياناً. هذا الواقع زاد من حنق هؤلاء النازحين، ما دفعهم إلى مواجهة البلدية واتحاد البلديات، ليحصلوا بعدها على وعد بتأهيل مراحيض الحديقة وتوسعتها بدعم من «المجلس النروجي للاجئين».
ومع عدم وجود أي إشارة جدّية إلى وقف لإطلاق نار تلتزم به إسرائيل، وعدم قدرة كثير من النازحين على العودة إلى بيوتهم المُدمّرة أو غير الصالحة للسكن، حتى لو توقّفت الحرب، سيضطر هؤلاء إلى البقاء فترة طويلة في مراكز الإيواء. وهو ما يعني أنه من غير الممكن استمرار وضع النزوح في صور على ما هو عليه. في ضوء ذلك، لا بدّ من أن تكثّف بلدية صور واتحاد البلديات جهودهما، وأن يقوما في الحد الأدنى بتعديل الدوامات بما يتناسب مع حالة الطوارئ، بحيث لا ينتظر النازح الذي وصل للتوّ أن يطلع الصباح أو تنقضي العطلة الرسمية ليحصل على فرشة.
والمسؤولية مشتركة أيضاً بين الحكومة الغائبة والممثّلة بشكل أساسي بوزارة الشؤون الاجتماعية، والجمعيات التي تكثر من الشعارات من دون ترجمتها على الأرض، والنواب والأحزاب المسؤولين عن المنطقة، الذين ما زال عملهم الاجتماعي ضعيفاً، إضافةً إلى المؤسسات الدينية، والمنظّمات الدولية.