Search Icon

الانتخاباتُ النصفيةُ، تُفجِّرُ فقاعةَ الغطرسة والتسلُّط!

منذ ساعة

سياسة

الانتخاباتُ النصفيةُ، تُفجِّرُ فقاعةَ الغطرسة والتسلُّط!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

يأتي انتصارُ الديمقراطيين، في الانتخابات النصفية، في سياق التقليد الأميركي، بشأن تداوُل السلطة، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ومع ذلك، لهذا الإنتصار طعمٌ مختلفٌ، كانتصار "الحمار" المتواضع، على جبروت "الفيل" الهائج.

خِيضت الإنتخاباتُ، إلى حدٍّ بعيدٍ، على رصيد الرئيس ترامب، الذي اختصرَ بشخصه، الحزب الجمهوري، بشيوخه ونوّابه وحُكّامه. من هنا، زادَ من مرارة الخسارة، الإقتراعُ ضدَّ ما في شخصيته، من سلوكياتٍ تُعتبرُ نافرةً في الحُكم، هي أقربُ إلى القَفَشاتَ والغطرسة، منها إلى السلوك السياسي السويّ المألوف. فـ"الأُسلوبُ هو الرجل"، على ما يقولُ عضو "الأكاديمية الفرنسية"،Georges-Louis Leclerc de Buffon ، (1707- 1788). والرئيسُ ترامب رجلُ أعمالٍ، دخلَ عالمَ السياسة، من خارج النادي السياسي التقليدي، صقلت مسيرتُه المهنيةُ، شخصيةَ المُقاول، المُفاوض والمُساوم، ورُبَّما الصدامي.

ومع تسليم الرئيس بالخسارة، وإبداء استعداده الظاهري للتعاون، مع المُنافس الديمقراطي المُنتصر، من المُنتظر أنْ تُقيَّدَ سياساته الداخلية، والخارجية بنسبةٍ أقلّ. فبعد أنْ يصحوَ الرئيسُ، من خسارة الكونغرس، بغُرفتَيه، قد يندفعُ إلى تكرار إلقاء اللُّوم على النظام، وإلى مواجهاتٍ مع خصومه في الداخل، أو مع التحديات الخارجية. لذلك، ثمَّة من يُرجِّحُ اتِّسامَ نصف الولاية المُتبقية، بالتحدّي وبغياب التعاون السلس، مع الديمقراطيين المُتعطِّشين للثأر الشخصي منه.

وعلى العموم، يشهدُ العامان الأخيران، من ولاية الرئيس، خُفوتَ رصيده ونفوذه، بسبب استنزاف طاقات الحُكم، ما يجعلُه "بطَّةً عرجاءَ". وما قد يُفاقمُ معنوياتَ الرئيس، الزائد الإعتداد بنفسه، ثقلُ العمر الثمانيني، وارتداداته على الطبع الصدامي، والمزاج المُتقلِّب، وسط عداواتٍ لا تُحصى، لا سيَّما مع الإعلام.

ومع ذلك، تبقى ساحةُ السياسة الخارجية، مُتنفَّساً لتحرُّكه، بفضل ما خصَّه الدستورُ من سلطاتٍ وصلاحياتٍ واسعةٍ للرئيس. وهذا، يُبقي انزلاقَ ترامب، إلى الحرب المُكلفة له، حزبياً وسياسياً وإرثاً شخصيّاً، على مشرحة التجاذُبات والإحتمالات، بين الحرب ونقيضها. ولا يزالُ أمامه، شهران في ظلِّ الكونغرس الحالي، ما لا يمنعُ افتراضَ شنِّه عملية عسكرية كبرى ضد إيران، قبل أن يتولى الكونغرس الجديد مهامه، مطلع العام. ومع ذلك، يُستبعدُ تنفيذُ ترامب تهديده، بتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ "ماحقةٍ"، على ما يقولُ، ضدَّ إيران"، نظراً لاحتمال ارتداد حدود القوة العسكرية، على الهشاشة الاستراتيجية لشركائه الخليجيين.

وقد لا تبقى علاقةُ ترامب بإسرائيل، بمنأى عن تداعيات خسارة الجمهوريين، حيث بدأت بوادرُ التباعُد، بين الأهداف الأمريكية والطموحات الإسرائيلية. وكان لافتاً تصريحُه، يوم الإنتخاب، بأنَّ الولاياتَ المتحدةَ، ستُوقفُ مساعداتها المالية السنوية، لإسرائيل بنهاية العام الجاري، وقيمتُها أربعةُ ملياراتٍ دولار.

عكست نتائجُ الانتخابات النصفية، استياءً في المزاج العام، جرّاء الشخصنة والولاء والمحسوبية، في سياسة الإدارة الهوجاء، في الداخل، وفي التعامُل الفظِّ مع الأقران الدوليين. وخيَّبَ الرئيسُ ترامب آمالَ منتخبيه، بتوريط الولايات المتحدة، بحروبٍ خارجيةٍ، رُغم وُعوده الإنتخابية، بإعطاء الأولوية للإقتصاد والتضخُّم والهجرة.. ما سيُصعِّبُ عليه التعافي، سياسياً، خلال المتبقي من ولايته، بل سيجهدُ ليُبعدَ عنه، كأس تحقيقات الكونغرس الجديد، حول الفساد والثراء غير المشروع، لعائلته ولمحيطه، والتي قد تُتوَّجُ بمحاكمته لعزله. وتحوُّطاً، قِيلَ بأنَّ المدعي العام بالإنابة، "أعلنَ أنَّ وزارةَ العدل ستمنحُ ترامب وعائلتَه وأعمالَه، حصانةً من جميع عمليات التدقيق والتحقيقات، بشأن أيّ سلوكٍ ماليٍّ أو ضريبيٍّ خاطئ في الماضي..".

ويخشى الديمقراطيون أنْ يستفيدَ أصحاب الثراء غير المشروع، من ثغرةٍ تركَها "الآباءُ المؤسِّسون"، واضعو الدستور، مُفترضين "تمسُّكَ المسؤولين العموميين، بالإلتزام المشترك بالأعراف المدنية غير المكتوبة.. وأنَّ الكونغرس سيكون حريصاً، على الإضطلاع بصلاحياته ضدَّ السلطة التنفيذية". وهذا ما قد يحملُ الديمقراطيين، على "تحويل الأعراف إلى قوانين ومواد تشريعية، والحدِّ من الحصانات الأخلاقية للرئاسة".

على الصعيد الدولي، ستُظهرُ انتكاسةُ الرئيس ترامب الانتخابية، هزالَه بعيون موسكو وبكين، وهو بصدد رعاية مفاوضاتٍ روسيةٍ أوكرانيةٍ، والمشاركة بالقمَّة الثُلاثية المُحتملة مع الرئيسين، الروسي والصيني. فبشأن إيران، تتلاقى مصالحُ موسكو وبكين، حول منع انهيارها الاستراتيجي، وإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، بقدر رغبتهما بتجنُّب نصرٍ استراتيجيٍّ لواشنطن، يتركُ الشرقَ الأوسطَ، حكراً عليها، وعلى إسرائيل. إلى ذلك، يُعيدُ تزايُدُ عدد الفائزين، في الانتخابات النصفية، من أُصولٍ مهاجرةٍ، لا سيَّما عربيةٍ وإسلاميةٍ وأفريقيةٍ ولاتينيةٍ.. بعضَ التوازُن، إلى سياسة واشنطن الخارجية.

بالغَ الإعلامُ، الأميركي تحديداً، بتضخيم هول اجتياح الأزرق الديمقراطي، للأحمر الجمهوري، مُتناسياً اكتساحَ الأحمر الجمهوري، للأزرق الديمقراطي، في انتخابات 2024. فالأمرُ لا يعدو كونه تداوُلاً للسلطة، جرّاء استنزاف سُلطة الحاكم. فلطالما استفاقت الولاياتُ المتحدةُ، على اجتياحاتٍ انتخابيةٍ، لم يسلمْ منها أيٌّ من الحزبين اللَّدودَين.

ولعلَّ أبرزَ دروس هذه النتائج، يتمثَّلُ بما يُشبه الصحوةَ الجمهوريةَ، التي أطلقَها نائبُ الرئيس، "JD. Vance"، عبر تحديده مُسبَّبات الخسارة الجمهورية بـ"الرغبة بإنهاء الحرب مع إيران، والقلق من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتغيير العلاقات الأميركية مع إسرائيل"، بما يُعطي "الأولويةَ لمصالح أميركا".

هذا التحديدُ، لا يعني إدانةً مقصودةً للرئيس ترامب، ولا انشقاقاً عنه، بل تمايُزاً تقتضيه الموضوعيةُ السياسيةُ، وطموحُه الرئاسي، في انتخابات أواخر 2028. وهو، بالتالي، بدايةُ مسارٍ، يتلاقى مع التحوُّل المتواضع، في أوساط الحزب الديمقراطي، حيال حظوة إسرائيل، لدى واشنطن، من شأن رعايته، عقلنةُ التأييد الأعمى لإسرائيل، لا سيّما في أوساط "الصهيونية المسيحية"، بما يُعيدُها إلى المسيح، ويُعيدُ "أميركا للأميركيين".
*سفير سابق