Search Icon

البطريرك الراعي يطلق حملة كاريتاس السنوية :
الوطن لا يشفى بالشعارات وحدها… بل بلمسة إيمان حقيقية

منذ 12 ساعة

سياسة

البطريرك الراعي يطلق حملة كاريتاس السنوية :
الوطن لا يشفى بالشعارات وحدها… بل بلمسة إيمان حقيقية

الاحداث- ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي في “كابيلا القيامة”، اطلق خلاله حملة كاريتاس لبنان السنوية 2026 تحت شعار “محبة بلا حدود”.

عاونه فيه المشرف العام على اعمال رابطة كاريتاس لبنان راعي ابرشية بيروت المطران بولس عبد الساتر، النائب البطريركي المطران انطوان عوكر، امين سر البطريرك الاب كميليو مخايل، امين سر البطريركية الاب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الاب سمير غاوي، المدبر العام للرهبانية الانطونية الاب بطرس عازار، المرشد الروحي العام لكاريتاس الارشمندريت نعمان قزحيا، منسق جهاز الاقاليم الخوري بسام سعد، الرئيس الاسبق لكاريتاس الاب ميشال عبود، ومشاركة لفيف من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور وزير الاعلام  بول مرقص، نقيب المحررين جوزيف القصيفي، رئيس المجلس العام الماروني ميشال متى، نائب رئيس جمعية تجار جونية وكسروان الفتوح انطوان سيف، نائبة رئيس كاريتاس القاضية ميراي الحداد، رئيس بلدية ذوق مصبح ايلي صابر، نجل الشهيدين صبحي ونديمة الفخري باتريك، أعضاء مكتب الرابطة ومجلس الادارة، منتسبون، رؤساء واعضاء مكاتب الاقاليم، مدراء ورؤساء الاقسام وموظفين في كاريتاس، الشبيبة، والمتطوعين، وحشد من الفعاليات والمؤمنين.

خدم القداس شبيبة كاريتاس.

الراعي

بعد تلاوة الانجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "يا ابنتي، إيمانكِ خلّصكِ، اذهبي بسلام" (لو 48:8)
 
وقال فيها: 1. تذكر الكنيسة المارونية اليوم وطيلة هذا الأسبوع  شفاء المرأة النازفة منذ اثنتي عشرة سنة. فشفيت بلمس طرف رداء يسوع بقوة إيمانها الصامت. وتذكر أيضًا قيامة ابنة يائيرس من الموت، بقوة إيمانه بكلمة يسوع: "لا تخف! آمن فقط" (لوقا 8: 50).
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً للاحتفال معاً بهذه الليتورجيا الإلهية ملتمسين إيمان تلك المرأة، وإيمان يائيرس، وهو إيمان قادر على شفائنا من نزيف قيمنا الروحية والأخلاقية والاجتماعية، وعلى قيامتنا من حالة الخطيئة .
3. وأرحّب بنوع خاص بأسرة رابطة كاريتاس لبنان، جهاز الكنيسة الاجتماعي. فأحيّي سيادة أخينا المطران بولس عبد الساتر المشرف عليها ورئيسها الجديد الأب سمير الغاوي وأعضاء المكتب والمجلس وأقاليمها ومراكزها. فإنّا نطلق معهم اليوم حملة الصوم وهي بعنوان: "محبّة بلا حدود". وهو شعار يجسد هوية كاريتاس ورسالتها الإنسانية في أسمى معانيها. فالمحبة التي تترجمها بالأعمال لا تعترف بأي حدود، بل تنطلق نحو كل إنسان محتاج دون تمييز. هي محبة تتجسد عملاً والتزامًا يوميًا، في خدمة الفقير والمريض والمهمّش، وفي الوقوف إلى جانب المتألم بكرامة واحترام. باعتمادها هذا الشعار لحملة صوم ٢٠٢٦، تؤكد كاريتاس أن التضامن ليس آنيًّا، بل مسيرة مستمرة تتخطى كل الحواجز، ولأن الإنسان أولًا وأخيرًا هو محور رسالتها.
تابعت كاريتاس  أداء رسالتها الإنسانية والاجتماعية خلال سنة ۲۰۲٥ بتقديم خدمات متنوعة تدعم الفئات الأكثر فقرًا وتنفيذ مشاريعها في مجالات عدة منها: الصحة، المساعدات الاجتماعية، التعليم، الحماية، التنمية، تحسين سبل العيش، بالإضافة إلى المساعدات المختلفة لدعم اللبنانيين النازحين جراء الحرب المدمّرة الأخيرة التي عاشها لبنان. تمكّنت كاريتاس من تنفيذ ذلك من خلال أقاليمها الـ ٣٦ المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية وفي مراكزها، إضافةً إلى ٤ مراكز تعليمية خاصة، مؤسسات اجتماعية وملاجئ آمنة، و۱۱ مركز رعاية صحية أولية(PHCCS) ، و۹ وحدات طبية متنقلة(MMUS)  وبفضل الجهود الجبارة التي تبذلها عائلة كاريتاس، التي تشمل المتطوعين، والعاملين، والأقاليم، والشبيبة، والمنتسبين، وأعضاء مجلس الإدارة، وعدد كبير من الأصدقاء والداعمين. وقد بلغ عدد شبيبة كاريتاس التي احييها تحية خاصة   1880متطوعًا.
4. الجوّ في إنجيل اليوم جوّ إيمان  من يائيرس والد الصبية الذي "جاء وارتمى على قدمَي يسوع وطلب أن يأتي بيته ويشفي ابنته الوحيدة المشرفة على الموت" (لو۸: ٤١-٤٢) ومن يسوع الذي قدّر هذا الإيمان بانطلاقه مع يائيرس. فأدركت المرأة المنزوفة بأنّ يسوع القادر على شفاء الصبية، آمنت بأنه قادر على أن يشفيها هي أيضًا من نزيف دمها.
لكنها لا تستطيع أن تفعل مثلما فعل يائيرس. بل تخفّت وجاءت من وراء يسوع، وسط الجمع المحيط به، ومسّت طرف ردائه، لإيمانها بأنها إذا فعلت تشفى. وفي الواقع "وقف للحال نزف دمها" (لو ٨: ٤٤). تخفّت لأنّ شريعة موسى وَصَمَت بالدّنس كل امرأة مصابة بنزف دم، وأنهتها عن الحضور علنًا بین الشعب وعن الحياة الاجتماعية، وعن لمس أي شخص؛ ومنعت الشريعة كل إنسان من لمسها لئلا يتدنّس (راجع سفر الأحبار، الفصل ١٥ و١٧).
5. اثنتا عشرة سنة، سنوات طويلة من الألم الصامت، من العزلة الاجتماعية، من الاستنزاف الجسدي والنفسي والمادي. وقد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم يشفها أحد. كانت بحسب الشريعة تُعدّ نجسة، تُقصى عن الجماعة، تعيش على هامش المجتمع. نزيفها لم يكن فقط دمًا يسيل، بل حياة تنتهي ببطء.
لكن داخل هذا الجسد المنهك كان قلبٌ لا يزال يؤمن. لم تعلن إيمانها، لم ترفع صوتها، لم تطلب علنًا. اقتربت من وراء يسوع، في خجل المتألمين، ولمست طرف ردائه. قالت في داخلها: إن لمستُ فقط، أُشفى. هذا هو الإيمان الصامت: قرار داخلي عميق، ثقة لا تحتاج إلى ضجيج، تسليم لا يحتاج إلى كلمات.
في اللحظة عينها وقف النزيف. ما عجز عنه الطب في سنوات، حقّقه الإيمان في لحظة. لكن المسيح لم يترك الأمر يمرّ سرًا فسأل: «من لمسني؟» أراد أن يُظهر أن ما حدث لم يكن صدفة. أراد أن يعلن أن الإيمان الصامت ليس خفيًا أمام الله. وقال للمرأة: "يا ابنتي، إيمانكِ خلّصكِ" (لو 8: 48). وبكلمة "يا ابنتي" أعاد إليها هويّتها وكرامتها وأدخلها من جديد في حضن الجماعة.
6. في المشهد نفسه يظهر يائيرس، رئيس المجمع. جاء إلى يسوع وتوسّل إليه أن يأتي ليشفي ابنته المريضة المشرفة على الموت هذا إيمان ناطق، إيمان يتوسل ويطلب ويجاهر برجائه. لم يخفِ حاجته، بل أعلنها. لكن حين جاءه الخبر القاسي: «ابنتك ماتت»، صمت. هنا يتحوّل الإيمان الناطق إلى إيمان صامت. قبل كلمة يسوع: «لا تخف، آمن فقط». سار خلفه دون احتجاج، دون جدال، دون انكسار. المرأة بدأت بصمت اللمسة، ويائيرس انتهى بصمت الثقة. هي لمست وآمنت وشُفيت، وهو سمع وآمن فرأى قيامة ابنته. الإيمان الناطق جميل لأنه يعبّر، والإيمان الصامت عظيم لأنه يسلّم. كلاهما طريق إلى النعمة، وكلاهما يلتقيان في الثقة المطلقة بكلمة المسيح.
7. بالانتقال من صفحة الإنجيل إلى واقعنا الوطني في لبنان، نجد أن صورة المرأة النازفة تشبه إلى حدّ بعيد واقعنا الوطني. كم يشبه وطننا جسدًا ينزف منذ سنوات؟ نزفًا يوميًا معيشيًا يرهق العائلات، نزفًا اقتصاديًا يستنزف الموارد، نزفًا اجتماعيًا يضعف الثقة، نزف هجرة يفرغ البيوت من شبابها، نزفًا نفسيًا يسرق الطمأنينة من القلوب.
الوطن لا يشفى بالشعارات وحدها، ولا بالضجيج ، بل بلمسة إيمان حقيقية. هناك إيمان ناطق يطالب بالحق والعدالة والإصلاح، وهذا ضروري. وهناك إيمان صامت يعيش الأمانة اليومية: موظف يرفض الفساد، معلّم يخلص في رسالته، شاب يصرّ على العمل الشريف، أمّ تزرع القيم في أولادها. هذه اللمسات الصامتة لا تُرى، لكنها تخرج قوة تغيّر الواقع.
8. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، إلى الرب لكي يوقف كل نزيف في حياتنا: نزيف اليأس، ونزيف الخوف، ونزيف الانقسام. نصلّي من أجل وطننا، كي يلمسه ربنا بيده الشافية، وكي يزرع في قلوب أبنائه إيمانًا حيًا، صامتًا كان أم ناطقًا، يقود إلى شفاء حقيقي وتجدد صادق. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."

غاوي

وفي ختام القداس، توجه الاب غاوي الى الحضور بكلمة جاء فيها: “في ختام هذا اللقاء الليتورجي المبارك، نقف اولا امام الله قبل ان نقف امام بعضنا البعض. نقف بخشوع، لاننا ندرك ان ما نعيشه اليوم ليس مجرد احتفال، بل نعمة. ليس مجرد مناسبة سنوية، بل دعوة متجددة. ليس مجرد لقاء، بل لحظة روحية يمر فيها الرب بيننا ليقول لكل واحد منا: استمر… فانا معك.

غبطة ابينا البطريرك، نقف اليوم في بيتكم، في هذا الصرح البطريركي الذي هو بيت الكنيسة الام، ونشكركم لانكم تحتضنون عائلة كاريتاس في هذا المكان المبارك. نشكركم على استقبالكم الابوي لنا، وعلى افساحكم المجال امامنا لنجدد من هنا، من بكركي، عهد المحبة والخدمة. ان احتضانكم لكاريتاس في هذا الصرح هو رسالة واضحة ان العمل الكنسي الاجتماعي هو في قلب الكنيسة لا على هامشها، وان خدمة الانسان هي امتداد طبيعي لرسالة الكنيسة الخلاصية في العالم. فوجودنا اليوم تحت رعايتكم هو علامة ثقة ومسؤولية، ودعوة لنا لنكون على مستوى الرجاء الذي تضعونه فينا.

ولا يفوتني في هذه المناسبة ان اوجه كلمة شكر صادقة الى سيادة المطران بولس عبد الساتر، راعي ابرشية بيروت المارونية والمشرف على رابطة كاريتاس، على دعمه المستمر، ومساندته الابوية، ومتابعته الحثيثة لمسيرتنا.”

واضاف: “احبائي، نحن اليوم في زمن الصوم، زمن العودة الى الجوهر: الى الله، الى الذات، الى الاخر. الصوم ليس امتناع فقط، بل امتلاء بالنعمة. ليس حرمانا، بل تحريرا للقلب. ليس انغلاقا، بل انفتاحا اوسع على الله والانسان. الصوم الحقيقي هو ان يصوم القلب عن القسوة، وان تصوم العين عن اللامبالاة، وان تصوم اليد عن التقاعس. الصوم الحقيقي هو ان نصير نحن انفسنا رسالة محبة حية. ومن هنا يأتي شعار حملتنا هذه السنة: «محبة بلا حدود». هي ليست عبارة تقال، بل حياة تعاش. لان المحبة التي من الله لا تعترف بحواجز، ولا تتراجع امام صعوبة، ولا تسال ان كان الاخر يستحق. انها محبة تعبر المسافات، وتدخل البيوت المتعبة، وتجلس قرب الالم، وتزرع الرجاء في القلوب المنكسرة.”

والى عائلة كاريتاس قال: “اخوتي واخواتي، الى العاملين في كاريتاس: انتم شهود امانة يومية، تعبكم صلاة صامتة، والتزامكم ترجمة حية للايمان. الى المتطوعين: انتم النبض الذي يذكرنا ان الخير ما زال اقوى من التعب. الى قدامى كاريتاس: انتم الجذور التي تحفظ الهوية وتعطي الرسالة عمقها واستمراريتها. الى الداعمين والمحسنين: انتم الشركاء في كل ابتسامة تعود الى وجه محتاج، وفي كل دمعة تمسح بصمت. واما انتم، يا شبيبة كاريتاس لبنان، فأنتم جمال الحاضر وبشارة المستقبل. اندفاعكم علامة رجاء كبيرة. استمروا، لان كل تعب تبذلونه بمحبة هو صلاة حية ترتفع الى الله.

ولا بد لنا في هذه اللحظة ان نتوقف بامتنان خاص امام كل الذين خدموا في السابق في مسيرة رابطة كاريتاس، وخاصة الذين تحملوا مسؤولية الرئاسة او عضوية مجلس الادارة. نقول لهم من القلب: شكرا لكم. شكرا على تعبكم، وعلى امانتكم، وما قدمتموه من تفان وبذل في خدمة رابطة كاريتاس.

فانتم لم تشغلوا مناصب، بل حملتم رسالة. ولم تؤدوا مهام، بل عشتم دعوة. وبفضل دعمكم للمحتاج والمتألم، وبفضل حضوركم الامين في خدمة الانسان، بقيت رسالة كاريتاس نابضة بالرحمة. لكم في ذاكرة كاريتاس لبنان مكان، ولكم في صلواتنا شكر دائم، ولكم في قلب الرب اجر لا يزول.”

 

وتابع غاوي كلمته قائلا: “وفي هذا اليوم المبارك، نذكر بمحبة وصلات جميع الاخوة والاخوات الذين لم يتمكنوا من الحضور بيننا بسبب الظروف الصعبة. فان غابوا عنا بالجسد، فهم حاضرون معنا بالروح، في قلوبنا وصلواتنا. نسأل الرب ان يحفظهم ويحفظ لبنان، وان يمنحنا دائما ان نبقى عائلة واحدة، يجمعها الرجاء وتثبتها الصلاة.

غبطة ابينا البطريرك، اسمحوا لي، ان اقولها من القلب… انظروا اليوم امامكم. انظروا الى هذه الوجوه الواقفة في هذا الصرح. هؤلاء هم صانعو الخير. هؤلاء هم شهود المحبة. هؤلاء هم الذين يذهبون بصمت الى اطراف الالم ويعودون حاملين قصص رجاء. انظروا الى ايديهم التي تعبت ولكنها لم تتراجع. انظروا الى قلوبهم التي امتلأت بمحبة المسيح حتى فاضت على الاخرين. هؤلاء هم ابناء الكنيسة في الميدان. لا يطلبون تصفيقا، ولا يسعون الى مجد، بل يكتفون بان يكونوا ادوات في يد الله. لذلك نقول لكم بثقة ومحبة: افتخروا بهم. افتخروا بهذه العائلة الكاريتاسية، لانها مفخرة الكنيسة. انهم الوجه الرحيم للكنيسة، الانجيل عندما يعاش، والمحبة عندما تنزل من الكلمات الى الشوارع.

احبائي، في عالم يكثر فيه القلق، انتم رجاء يشع كفجر جديد. في زمن يبرد فيه القلب، انتم دفء نار لا تنطفئ. في مجتمع تتراكم فيه الجراح، انتم بلسم الشفاء. واذا اظلمت الطرق، انتم قناديل مضيئة. واذا شعر انسان انه منسي، انتم الصوت الذي يقول له: لست وحدك.”

 

وختم قائلا: “نلتمس من غبطتكم بركة ابوية لكل فرد من عائلة كاريتاس: للعاملين، وللمتطوعين، وللقدامى، وللداعمين، ولشببتنا، ولكل قلب يخدم بصمت ومحبة. لتبقى كاريتاس دائما امينة لرسالتها، ثابتة في رجائها، متقدة بمحبتها، وتبقى كما ارادها الرب: علامة رجاء، وبيت رحمة، وقلب نابض بمحبة بلا حدود.”

 

بعد القداس استقبل الراعي عائلة كاريتاس والمؤمنين الذين شاركوا في الذبيحة الالهية