Search Icon

الحقد والإنكار والطريق إلى جهنم

منذ سنتين

من الصحف

الحقد والإنكار والطريق إلى جهنم

الاحداث - كتب عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب بيار بو عاصي في صحيفة "النهار" يقول:"الموت مصدر كل خوف ومن الخوف تُولدُ غريزة البقاء فلا تنطفئ شعلتها الا مع حسرات الموت. موت الفرد ممرّ الزامي نحو السعادة الأبدية، بحسب البعض. يقول شكسبير على لسان هاملت "إن موت الفرد نومٌ هانئ هرباً من عذابات الدنيا".

كل شيء مسموح للتخفيف من وطأته إلا أن الموت يكون على الموعد في نهاية كل مطاف.

أشاد كثيرون بموت الفرد ولكن لم يُدعَ أحد إلى موت الجماعة بكينونتها وصيرورتها.

بالرغم من ذلك، دمّر الطغاة شعوبهم وأوطانهم كما لم يدمّرها لا غازٍ ولا بركان ولا زلزال… الأمثلة كثيرة ومنها في القرن العشرين ستالين وهتلر وموسوليني وكل الديكتاتوريات العسكرية… إستباح هؤلاء شعوبهم وحرياتها وإستقرارها. قد تختلف وسائل الطغاة ولكنّ الهدف يبقى واحداً والمنهجية وأركانها واحدة.

 *الإدراك (La Perception)* 

يستهدف الطغاة بادئ ذي بدء إدراك الناس. الإدراك هو ردّ فعل الفرد على محفّز خارجي وهو ملازم للفرد في فرادته، متحرّك في جوهره، مستحيل الإستشراف في طبيعته. بفضل التسامح وحاجة الإنسان لإيجاد مساحات مشتركة بينه وبين محيطه، تمازجت الإدراكات في بيئة مجتمعية معقدة لينتج عنها تثبيتاً للإنطباعات الشخصية حيناً ومساحات مشتركة احياناً.

 *التلاعب (La Manipulation)* 

فِعل التلاعب أمرٌ مدان بالمطلق ولكن حينما يصبح التلاعب اختطافاً للإدراك يغدو غاية في الخطورة. يحمل التلاعب إذّاك في طيّاته النيّة على تجريد الفرد من وحدانيته ومن حريّته… كل ذلك تمهيد لتدمير الفرد والجماعة لصالح متلاعِبٍ تُحرّكه الأنانيّة نحو هدف إلغاء الآخر.

من دون الإدراك الحرّ والمتحرّر يصبح الفرد مجرّد صدى لمن يتلاعب به والذي يصوّر له العالم كما يشاء هو.

 *الإنكار (Le Déni)* 

الركيزة الثالثة في فن التلاعب بالإنسان الفرد والجماعة هي الإنكار. الإنكار في اللغات اللاتينية كلمة تستمد أصلها من كلمة "Denegare" التي تتكون من البادئة "de" وتعني الرفض والفعل "negare" الذي يعني النكران. أمر نادر ان يكون هنالك نفيين في كلمة واحدة. الإنكار هو بالتالي قفل محكم، حاجزٌ عصيّ على التخطي. في ترسانة التلاعب بالفرد والمجتمع، يُصنَّف الإنكار كأحد الأسلحة الأكثر فتكاً والتي تزرع في عقول الناس إدراكاً خفياً، يقيدهم بإنكار لا يمكن إختراقه. كل محاولة للتساؤل حول الإدراك الجديد تصطدم بإنكار دون القدرة على تجاوزه. الإنكار سجن يجعل الناس يشعرون أنهم في أمان. مطمئنين، صاغرين، يعبّر السجناء عن إمتنانهم لسَجّانهم ويتخلون طوعاً عن حريتهم. حين يوجدون في حضرة الحرية والحس النقدي والفرادة، يصنّفوها حتماً في خانة الخيانة لقضية مشتركة ومصلحة عامة وهم غير قادرين على تعريفهما.

 *الكراهية (La Haine)* 

كلمة "Odium" باللاتينية تشير إلى ما هو مكروه ومرفوض ومصدر ازدراء وعداء...

كُره الآخر هو تمهيد لإلغائه. ليست النية حكماً إلغاء الشخص بحد ذاته إنما إلغاء الصورة المشوّهة التي طُبع فيها. حين ينوي المتلاعب تدمير شخص يرميه بأزلامه كقذائف بشرية تُدمِّر الهدف وتتدمّر هي في آن. لا يحصل ذلك إلا إذا أضفنا لما سبق فقدان الفرد المنصاع لمنظومة قيمه الأساسية. تعدّدت الأسباب والمنصاع منصاع والضحية ضحية والجلاد جلاد. هذا بالضبط ما يسعى المتلاعب لتحقيقه وهو في العمق لا يسعى الا لذلك.

 *الجحيم (L’enfer)* 

كلمة "الجحيم" مستقاة من الكلمة اللاتينية "infernum" ، وتعني "المكان المنخفض" أو "المنطقة السفلية" ومنها اشتقت صفة السافل والسفالة. إنها تشير إلى أماكن العذاب والقصاص بعد الموت وأحياناً قبله.

بمجرد أن تكون التصوّرات مشوّهة، يصبح الإنكار والكراهية أدوات في يد الزعيم المزعوم، فيما الهدف النهائي هو حرب مفتوحة تفتح للزعيم أبواب جنة السلطة وتفتح لكل الآخرين أبواب جهنم. يُلقي الزعيم السيء ضحاياه، المعادين منهم والموالين، في أتون النار ولا يقيم وزناً لهم ولا لمصالحهم ولا لحياتهم. ها هو باب جهنم مفتوح على مصراعيه ويتسع للجميع. تبقى عناصر السريّة والمباغتة شرطاً لنجاح الخطة المحكمة المشغولة بخبث وحنكة وبرودة. يجب ألّا يشعر الفرد بأنه يتجه نحو مسكن الشيطان. بمجرد أن يكون هناك، سواء تمرد أو لم يتمرّد، فإن الأوان قد فات وما تمّ قد تمّ. قلة قليلة تتمرّد على هذا الواقع أما الأكثرية فتدافع عن جلّادها وتندفع طوعاً نحو النهاية المأسوية، نحو نار جهنم المعدّة لها.

الإنطباع المشوّه والإنكار والكراهية هي وصفة الموت، هي الطريق إلى جهنم. الموت موتُ الأفراد بالتأكيد ولكنّه أيضاً عذابُ وموت المجتمعات والأمم.

"أعدكم بالجحيم"، قالها يومًا سياسي #لبناني فوفى بوعده.

من أعماق الجحيم حيث وضعهم، يواصل الآلاف من الناس الدفاع عنه ومبايعته...