الاحداث- كتبت لور سليمان
في سياق عربي ما يزال يتلمّس موقعه داخل التحوّل الرقمي العالمي، يأتي كتاب «الذكاء الاصطناعي ببساطة» لهيلدا معلوف مِلكي محاولةً واعية لتجسير الهوّة بين التعقيد التقني والوعي المجتمعي العام. فالكتاب لا يسعى إلى منافسة المراجع الأكاديمية المتخصصة، ولا إلى الدخول في متاهات الخوارزميات والرياضيات، بل يراهن على إعادة صياغة العلاقة بين القارئ العربي والتكنولوجيا، بوصفها أداة قابلة للفهم، لا قوة غامضة خارجة عن السيطرة.
غير أن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في تبسيطه للمفاهيم، بل في الأسئلة العميقة التي يفتحها — أحيانًا بصورة مباشرة، وأحيانًا بصورة ضمنية — حول علاقتنا بالمعرفة، والسلطة، والأخلاق، والعمل، وحتى بالذات الإنسانية في عصر الخوارزميات.
التبسيط كخيار فكري وثقافي
الميزة الأساسية في الكتاب ليست مجرد شرح الفرق بين الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي والتعلّم العميق، بل اعتماد التبسيط كخيار فكري وثقافي. فالكاتبة لا تكتفي بتوضيح المصطلحات، بل تسعى إلى تفكيك “هالة الرهبة” التي تحيط بالمفهوم. إنها تنقل الذكاء الاصطناعي من خانة الأسطورة التقنية إلى خانة الأداة الإنسانية.
هذا الطرح بالغ الأهمية في بيئة عربية يتأرجح خطابها بين حدّين متناقضين:
إمّا التهويل الذي يصوّر الذكاء الاصطناعي كتهديد وجودي سيستبدل الإنسان ويقصيه،
وإمّا التمجيد غير النقدي الذي يقدّمه كحلّ سحري لكل الأزمات الاقتصادية والإدارية والتعليمية.
الكتاب يختار منطقة وسطى: الفهم قبل الحكم.
وهو بذلك يؤدي وظيفة تثقيفية تأسيسية، تُخرج القارئ من ردّة الفعل الانفعالية إلى موقع المتلقي الواعي.
وعلى الرغم من أن العمل موجّه إلى القارئ العام، إلا أنه يلامس تحوّلًا اجتماعيًا عميقًا: انتقال الإنسان من موقع «منتِج المعرفة» إلى موقع «المتفاعل مع خوارزميات تنتج له المعرفة».
هنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تقنية؛ إنه بنية اجتماعية جديدة. فهو لا يقدّم المعلومات فقط، بل يعيد تشكيل طريقة الوصول إليها، ويؤثر في ترتيب أولوياتها، ويختصر الزمن المعرفي. ومع الوقت، قد يتحول الاعتماد عليه من خيار عملي إلى بنية ذهنية جديدة تنظّم التفكير نفسه.
من هذا المنظور، يمكن قراءة الكتاب كدعوة غير مباشرة إلى وعي هذا التحوّل. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج، بل وسيط جديد بين الإنسان والعالم.
من منظور سوسيولوجي، الذكاء الاصطناعي يمثّل شكلًا جديدًا من أشكال السلطة الناعمة. فهو يحدد ما نراه، وما نقرأه، وما نصدّقه، بل وحتى ما نرغب فيه.
الكتاب يشير إلى هذه النقطة عبر تركيزه على الأخلاقيات ومسؤولية الاستخدام، لكنه لا يتوسع في تحليل البعد البنيوي للسؤال:
من يملك هذه الخوارزميات؟
من يتحكم بالبيانات؟
ومن يصوغ القيم التي تُبرمج داخل الأنظمة الذكية؟
في مجتمعات عربية تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتية وضعف في الحوكمة الرقمية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. هل نحن مستخدمون واعون يمتلكون أدوات الفهم، أم مستهلكون داخل منظومة عالمية لا نملك مفاتيحها؟
هنا تتجاوز المسألة حدود الثقافة الفردية إلى سؤال السيادة الرقمية والعدالة المعرفية.
ويرتكز خطاب الكاتبة على تمكين الفرد: القرار بيدك، المستقبل أنت.
هذا الطرح يعكس نزعة إنسانية ترى في الفرد فاعلًا قادرًا على الاختيار.
غير أن المقاربة السوسيولوجية تطرح سؤالًا مكمّلًا:
إلى أي حدّ يملك الفرد فعلًا حرية الاختيار في بيئة رقمية مصمَّمة للتأثير في سلوكه؟
فالخوارزميات لا تعمل في فراغ. هي تبني توصياتها على تحليل أنماطنا السابقة، وتعيد توجيه انتباهنا وفق احتمالات محسوبة. ومع الوقت، قد يصبح الاختيار ذاته موجَّهًا داخل إطار غير مرئي.
الكتاب المؤلف من 106 صفحات من الحجم الوسط يطمئن القارئ، لكنه يفتح الباب — ولو بصورة غير مباشرة — أمام هذا النقاش العميق حول حدود الحرية في العصر الرقمي.
يتناول الكتاب سؤال الوظائف بلهجة متوازنة، بعيدة عن خطاب الذعر. لكنه يثير مسألة جوهرية:
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإنتاج المعرفي والإبداعي، فكيف سيُعاد تعريف مفهوم “المهارة”؟
هل سيُقاس التفوق بقدرتنا على التفكير المجرد، أم بقدرتنا على إدارة الأدوات الذكية؟
لذلك، نحن أمام انتقال محتمل من “اقتصاد المعرفة” إلى “اقتصاد إدارة الخوارزميات”، حيث القيمة لا تكمن فقط في ما نعرفه، بل في كيفية توظيفنا لما تنتجه الآلة.
هذا التحوّل قد يعيد رسم خريطة سوق العمل، ويعمّق الفجوة بين من يمتلك المهارات الرقمية ومن يفتقر إليها، ما يطرح تحديات اجتماعية واقتصادية كبرى.
وعلى خلاف كثير من الكتب التعريفية، يضع هذا العمل البعد الأخلاقي في مركزه لا في هامشه. فالرسالة المتكررة — أن الذكاء الاصطناعي يعكس قيم مستخدميه — ليست عبارة تحفيزية عابرة، بل أطروحة واضحة.
الخوارزميات قد تكون محايدة حسابيًا، لكنها غير محايدة اجتماعيًا. فهي تتغذى من بيانات مشبعة بالتحيّزات الثقافية والاقتصادية. ومن هنا تأتي أهمية الوعي الأخلاقي الذي تدعو إليه الكاتبة.
غير أن السؤال الأوسع يبقى:
هل يكفي الوعي الفردي؟
أم أن الأمر يحتاج إلى أطر تشريعية ومؤسساتية تنظّم الاستخدام وتحمي الخصوصية وتحدّ من الاحتكار؟
الكتاب يركّز على مسؤولية الفرد، لكنه يلمّح إلى مسؤولية المجتمع والدولة، ما يجعل منه مدخلًا ضروريًا لنقاش أوسع.
من هنا، يبقى الكتاب ضمن إطار التثقيف العام، ولا يدخل في نقاشات معمّقة حول الاقتصاد السياسي للذكاء الاصطناعي أو احتكار البيانات من قبل الشركات الكبرى. هذا الخيار يبدو مقصودًا، انسجامًا مع طبيعة الجمهور المستهدف.
لكن من زاوية نقدية، يمكن القول إن هذه المساحات التحليلية كانت لتمنح العمل بُعدًا أكثر جرأة، خصوصًا للقارئ الباحث عن قراءة تفكيكية أعمق.
ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب تكمن في كونه نصًا تأسيسيًا، يضع القارئ على عتبة السؤال، لا في قلب المتاهة.
تتجلى أهمية «الذكاء الاصطناعي ببساطة» في توقيته وسياقه. فهو يندرج ضمن موجة عربية ناشئة تحاول فهم التحول الرقمي خارج الإطار التقني البحت. وهو يقدّم نموذجًا لكتابة معرفية مبسطة تسعى إلى إشراك القارئ بدل إقصائه.
في بيئة تحتاج إلى نشر الثقافة الرقمية بقدر حاجتها إلى تطويرها، يشكّل هذا الكتاب خطوة أولى ضرورية.
ينجح الكتاب في مهمته الأساسية: جعل الذكاء الاصطناعي مفهومًا قابلًا للفهم والنقاش، لا موضوعًا للنخبة فقط.
قيمته تكمن في وعيه الأخلاقي ونبرته الإنسانية، وفي دعوته إلى التعامل مع التكنولوجيا بعقل نقدي متوازن.
لكن القراءة السوسيولوجية تذهب أبعد من ذلك. فهي ترى في هذا العمل مدخلًا إلى سؤال أكبر:
ليس فقط كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي،
بل أي مجتمع نريد أن نبنيه في ظلّه؟
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة شخصية، بل بنية اجتماعية تعيد تشكيل أنماط التفكير والعمل والسلطة.
ومن هنا، يمكن اعتبار هذا الكتاب بداية ضرورية لمسار طويل نحو علاقة عربية أكثر نضجًا مع التكنولوجيا — علاقة تقوم على الفهم، والمساءلة، والمسؤولية المشتركة.
إنه كتاب بداية… لا نهاية.