Search Icon

الراعي في لقاء في اليوم العالمي السادس لراعوية الأجداد والمسنّين في الديمان: الأجداد ذاكرة حيّة تنقل الإيمان والمحبة من جيل إلى جيل

منذ 25 دقيقة

متفرقات

الراعي في لقاء في اليوم العالمي السادس لراعوية الأجداد والمسنّين في الديمان: الأجداد ذاكرة حيّة تنقل الإيمان والمحبة من جيل إلى جيل

الأحداث – احتضن الكرسي البطريركي في الديمان الاحتفالية الأولى التي نظّمتها اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة، بالتعاون مع لجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين، لمناسبة اليوم العالمي السادس لراعوية الأجداد والمسنّين، تحت عنوان «أنا لا أنساك أبدًا»، وهو العنوان الذي اختاره قداسة البابا لاوون الرابع عشر للمناسبة، في لقاء جمع طرفَي العمر تحت سقف واحد: الأجداد والمسنّين من جهة، والأطفال من جهة أخرى.

وشارك في اللقاء نحو 500 شخص من المسنّين والأطفال والعائلات، في مشهد أرادت الكنيسة من خلاله أن تجمع الذاكرة بالمستقبل، والخبرة بالبراءة، وأن تؤكد أن الأجيال لا تتنافس على المكان، بل يتسلّم بعضها من بعض الإيمان والمحبة وتاريخ العائلة والكنيسة.

نصار: رعاية المسنّين تعبير عن قيمة الإنسان

وفي مستهل القداس، ألقى رئيس اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة المطران الياس نصار كلمة رحّب فيها بصاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وبالمشاركين في هذه الاحتفالية الأولى التي تقيمها اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة ولجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين برئاسة الخوري هاني طوق.

وأشار نصار إلى أن إقامة هذه الاحتفالية في الكرسي البطريركي في الديمان تحمل دلالة خاصة، وتأتي تجاوبًا مع دعوة الكنيسة إلى الاهتمام بالأجداد والمسنّين، ولا سيما في مناسبة اليوم العالمي السادس المخصص لهم تحت عنوان «أنا لا أنساك أبدًا».

وتوجّه بالشكر إلى البطريرك الراعي على محبته الأبوية للأجداد والمسنّين، وعلى الرعاية التي توليها الكنيسة لهم، معتبرًا أن هذه الرعاية تعبّر عن وعي كنسي عميق لقيمة الإنسان في مختلف مراحل عمره، وعن تقدير للدور الذي لا يزال المسنّون قادرين على أدائه في العائلة والكنيسة والمجتمع.

وتوقّف نصار عند الجهود التي بذلتها اللجنة الفرعية برئاسة الخوري هاني طوق ومجموعة من المساعدين، شاكرًا إياهم على قبول هذه الخدمة وتنظيم الاحتفالية والاستعداد لمواصلة العمل في راعوية الأجداد والمسنّين على مساحة لبنان وعلى مدار السنة.

كما شكر المسؤولين في الأبرشيات والمؤسسات الكنسية الذين ساهموا في دعوة الأجداد والمسنّين ونقلهم إلى الديمان، والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، والعاملين من كهنة وعلمانيين في الكرسي البطريركي، وكل الذين قدّموا خدماتهم لإنجاح هذا النهار، إضافة إلى وسائل الإعلام التي واكبت المناسبة.

وخصّ بالشكر «مطبخ مريم» والعاملين فيه لتأمين وجبة الغداء للمشاركين، والطواقم الطبية والتمريضية التي وضعت نفسها في خدمة المسنّين، والمنشّطين والمرافقين الذين عملوا على إضفاء أجواء الفرح على اللقاء، فضلًا عن الفنان جورج خطّار، والكشاف الماروني، وجماعة «يلا»، والمؤسسة البطريركية المارونية للإنماء الشامل، والمركز الثقافي الماروني.

وفي ختام كلمته، رحّب نصار بالمشاركين، وخصوصًا بالأجداد والمسنّين الذين تحمّلوا مشقة السفر للمشاركة في هذا اليوم، وبأفراد عائلاتهم وأطفال المناولة الأولى والمعاونين والمرافقين، واضعًا اللقاء تحت حماية العذراء مريم، سيدة قنوبين، وحول البطريرك الراعي.

الراعي: ثلاثة مواقف لمجيء الرب: الإيمان والمحبة والذاكرة

وبعد أن ترأس البطريرك الراعي الذبيحة الإلهية، وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى عظة انطلق فيها من قول المسيح: «كونوا كأناس ينتظرون سيدهم متى يأتي»، ليقدّم قراءة روحية لمعنى العمر والانتظار، لا بوصفه ترقّبًا لنهاية بعيدة، بل استعدادًا لمجيء الرب المتجدد كل يوم في حياة الإنسان.

وأوضح أن إنجيل اليوم يتحدث عن «نعمة الانتظار»، لأن المسيحي لا ينتظر الرب في نهاية حياته وحسب، بل يستقبله في تفاصيل أيامه، وفي الأشخاص الذين يلتقيهم، وفي المواقف التي تتطلب منه جوابًا مسيحيًا واضحًا.

وحدّد الراعي ثلاثة مواقف أساسية ينبغي أن تميّز هذا الانتظار: الإيمان والمحبة والذاكرة، مؤكدًا أن الإنجيل موجّه إلى كل واحد منا، لأن الرب يأتي إلينا يوميًا ويسألنا موقف إيمان، أو عمل محبة، أو أن نكون ذاكرة حيّة تنقل الخير إلى الآخرين.

وقال إن الرب يحتاج إلى كل واحد لكي يشهد له، وإن شهادة الإيمان لا تقتصر على الكلمات، بل تظهر في الأعمال والمواقف والتصرفات. فالإنسان يشهد لما يؤمن به بالطريقة التي يعيش بها، وبما يصنعه تجاه الآخرين، وبقدر ما يصبح إيمانه سلوكًا يوميًا.

أما الموقف الثاني فهو المحبة، التي لا تبقى شعورًا أو كلامًا، بل تتحول إلى عمل تجاه الغريب والمريض والضائع والمحتاج. ومن هنا، دعا الراعي إلى أن يكون المسيحي شاهدًا للمحبة حيثما وجد إنسانًا يحتاج إلى حضور أو مساعدة أو عناية.

أما الموقف الثالث فهو الذاكرة، أي أن يذكّر بعضنا بعضًا بإيماننا المسيحي وبالأحداث التي صنعها الله في حياتنا، فلا تنقطع الصلة بين الأجيال، ولا يبدأ كل جيل تاريخه من الصفر.

الأجداد ليسوا ماضي العائلة… بل ذاكرتها الحيّة

وانتقل البطريرك الراعي، من اجتماع المسنّين والأطفال في الاحتفال نفسه، إلى إبراز الرسالة الخاصة التي يحملها الأجداد، مستشهدًا بكلام المزمور: «ألف سنة في عينيك يا رب كيوم أمس الذي عبر»، ومشيرًا إلى أن الإنسان، مهما امتد به العمر، يبقى صغيرًا أمام الأبدية.

ودعا كل إنسان إلى أن يستقبل نهاره الجديد بالشكر، لأن كل يوم يُعطى له ليس أمرًا مضمونًا، بل نعمة جديدة. ومن هنا، شدّد على أن الأجداد والمسنّين مدعوون إلى أن يكونوا علامات إيمان، لأن العالم والعائلة والأجيال الجديدة بحاجة إلى شهادتهم.

وتوجّه بصورة خاصة إلى الأجداد، مؤكدًا أن على كل جد وجدة أن يشهدا لمحبتهما وأن يرويا للأجيال الجديدة خبرتهما في الحياة والإيمان، لأن الخبرة التي لا تُنقل تنتهي بانتهاء أصحابها، أما الخبرة التي تتحول إلى ذاكرة فتواصل الحياة في الأبناء والأحفاد.

وهكذا، لم يضع الراعي الطفل والمسنّ على طرفين متباعدين من الحياة، بل جمعهما في علاقة متبادلة: الطفل يحتاج إلى ذاكرة الجد، والجد يجد في الطفل من يحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.

الراعي: ما دمنا هنا فلنشكر الرب على يومنا الجديد

وتوقّف البطريرك عند نعمة الحياة نفسها، مذكّرًا بأن كثيرين لم يُعطوا فرصة بلوغ سن متقدمة؛ فمنهم من رحل طفلًا، ومنهم من مات في بطن أمه، أو في حادث، أو حرب، أو جوع، أو مرض عضال، ومنهم من غادر الحياة في سن الشباب أو الكهولة.

وقال إن وجود الإنسان اليوم هو في ذاته سبب للشكر: «ما دمنا هنا، فعلينا أن نشكر الرب على يومنا الجديد».

ومن هذا المنطلق، دعا المسنّين خصوصًا إلى النظر إلى امتداد العمر لا كعبء، بل كنعمة ومسؤولية وامتياز، لأن الله حين يمنح الإنسان مزيدًا من السنين يمنحه معها مزيدًا من الوقت لكي يحب ويشهد ويصلّي وينقل خبرته.

وشدّد على أن العمر، مهما طال، يبقى قصيرًا أمام الأبدية، ولذلك فإن نعمة التقدم في السن لا ينبغي أن تقود إلى الانكفاء، بل إلى شكر أعمق لله على عطية الحياة.

«لن أنساك»… لأن من يملك تاريخًا لا يمكن أن ينسى

وربط البطريرك الراعي عنوان المناسبة «أنا لا أنساك أبدًا» بمعنى الذاكرة المسيحية، مؤكدًا أن الإنسان الذي يملك تاريخًا لا يستطيع أن يعيش بلا ذاكرة.

وأوضح أن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، بل أمانة لما صنعه الله ولما عاشته العائلة، ولما اختبره الإنسان من إيمان ومحبة وتضحيات.

وبذلك تصبح الشيخوخة، في المنظور المسيحي، زمنًا لاستعادة التاريخ، لا من أجل البقاء فيه، بل من أجل تسليمه إلى الأجيال الطالعة. فالمسنّ ليس مجرد شخص يحمل سنوات كثيرة، بل إنسان يحمل رواية وتجربة وصلوات وجراحًا وأفراحًا وإيمانًا يستطيع أن يضعها بين أيدي الأبناء والأحفاد.

الراعي يدعو إلى شهادة يومية للإيمان والمحبة والذاكرة

وفي ختام عظته، دعا البطريرك الراعي إلى أن تتحول رسالة هذا اليوم إلى صلاة يومية، فيرفع الإنسان الشكر إلى الله كل صباح على النهار الجديد، سائلًا إياه أن يمنحه القدرة على أن يعيش يومه شاهدًا للإيمان والمحبة وحاملًا للذاكرة الصالحة.

وهكذا جمع الراعي رسالة الاحتفال في ثلاث كلمات ترافق الإنسان في كل مراحل عمره: إيمان يُعاش، ومحبة تُترجم أعمالًا، وذاكرة تُسلَّم من جيل إلى جيل.

وبين الأجداد والأطفال المجتمعين في الديمان، بدا عنوان اليوم «أنا لا أنساك أبدًا» أكثر من شعار لمناسبة كنسية؛ بل بدا وعدًا بأن الإنسان لا يفقد مكانه في العائلة والكنيسة حين يتقدم به العمر، وأن الذاكرة التي يحملها المسنّون لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل هي جزء من بناء مستقبل الأجيال.

برنامج إنساني وصحي يجمع الأجيال

وبعد القداس الإلهي، تابع الأجداد والمسنّون والأطفال المشاركون برنامج اليوم في الديمان، في أجواء جمعت البعد الروحي بالإنساني والاجتماعي والصحي، وحوّلت مناسبة اليوم العالمي السادس للأجداد والمسنّين إلى لقاء حي بين الأجيال.

وأُقيمت مائدة محبة على شرف المشاركين، فالتقت الأجيال حول مائدة واحدة، امتدادًا لاجتماعها حول المذبح، في أجواء من الألفة والأخوّة والفرح.

كما تضمّن البرنامج يومًا طبيًا خُصّص لخدمة المسنّين، وشمل فحوصات واستشارات طبية وتقديم الأدوية، في مبادرة جسّدت عمليًا عناية الكنيسة بالإنسان في حاجاته الروحية والصحية واليومية.

وتخلّل النهار أيضًا عدد من النشاطات الترفيهية والاجتماعية التي جمعت الأجداد والمسنّين بأطفال المناولة الأولى، في صورة عبّرت عن التواصل بين جيل يحمل خبرة السنين وذاكرة الإيمان، وجيل يستعد لحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.

واختُتم اليوم في أجواء من الفرح والأخوّة، بعدما تحوّلت الديمان إلى مساحة لقاء بين الذاكرة والرجاء: أجداد ومسنّون يحملون تاريخ العائلة وخبرة الحياة، وأطفال يحملون وعد الغد، وكنيسة تجمعهما معًا لتؤكد، تحت شعار «أنا لا أنساك أبدًا»، أن الإنسان يبقى حاضرًا في قلب الله والكنيسة في كل مراحل عمره، وأن أجمل ما تتوارثه الأجيال ليس الذكريات وحدها، بل الإيمان والمحبة والرجاء.