الاحداث- في مناسبة اليوم العالمي الستّين لوسائل التواصل الاجتماعي، ترأس البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد السابع من زمن القيامة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، بمشاركة رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران منير خيرالله، والنائب البطريركي العام المطران أنطوان عوكر، والمونسنيور عبده أبو كسم مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، والأب فادي تابت أمين السرّ العام للبطريركية، والأب كميليو مخايل أمين السرّ الخاص، والأب جان يونس الأمين العام لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، والخوري أنطوان عطالله المسؤول الإعلامي في أبرشية جبيل المارونية، والاب يوسف نصر امين عام المدارس الكاثوليكية والاب سمير غاوي رئيس كاريتاس والاب جورج يرق مرشد شبيبة بكركي إلى جانب عدد من الكهنة والآباء.
حضر القداس وزير الإعلام بول مرقص، ورئيس الرابطة المارونية مارون الحلو، ورئيس المجلس العام الماروني ميشال متّى، نقيب المحرّرين جوزيف القصيفي، وممثّل نقيب الصحافة رئيس مجلس إدارة “تيلي لوميار” و”نورسات” جاك كلاسي، ورئيس نادي الصحافة بسّام أبو زيد، وعدد من الإعلاميين، وحشد من المؤمنين .
المطران خيرالله
وفي مستهلّ القدّاس، ألقى المطران منير خيرالله كلمة تناول فيها رسالة البابا لليوم العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي بعنوان “الحفاظ على الأصوات والوجوه البشريّة”، مشدّدًا على ضرورة أن يبقى الإنسان في قلب الرسالة الإعلامية، وأن تُستخدم وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي لخدمة الحقيقة والكرامة الإنسانية، لا لتشويه الإنسان أو إلغاء حضوره الحقيقي.
وأشار إلى أنّ الإعلام الحقيقي هو الذي يبني جسور اللقاء والحوار، ويحفظ البعد الإنساني في زمن السرعة والتكنولوجيا والتأثير الرقمي المتزايد.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان:""أجل، أن تحبّوا بعضكم بعضًا، كما أنا أحببتكم"(يو 13: 34)
وقال فيها:"1. ما أعظم هذه الكلمات وما أبسطها في الوقت عينه. إنه إنجيل صغير في حجمه، لكنه بحر لا ينتهي في معانيه. إنه إنجيل الحب، الوصية الجديدة التي تركها يسوع لتلاميذه قبل آلامه، وكأنه يسلّمهم وخلاصة الإنجيل كله، وخلاصة الحياة المسيحية كلها.
في تلك اللحظات الأخيرة، لم يوصِهم يسوع بالسلطة، ولا بالقوة، ولا بالعظمة الأرضية، بل أوصاهم بالمحبة: المحبة التي تغفر، المحبة التي تحتمل، المحبة التي تبذل دائماً ذاتها من أجل الآخر. فالمسيح لم يحب بالكلام، بل بالفعل. أحب الإنسان حتى النهاية، حتى الصليب، وحتى بذل الذات الكامل. هذا هو إنجيل اليوم: إنجيل المحبة التي لا تسقط، المحبة التي تبني، المحبة التي تغيّر الإنسان والعالم. لأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقوة فترة، وبالمصلحة فترة، لكنه لا يستطيع أن يعيش حقًا إلا بالمحبة. ولهذا قال الرب: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان فيكم حب بعضكم لبعض" (يو 13: 35).
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، مع تحيّة خاصّة لمعالي وزير الاعلام، للإعلاميّين والإعلاميّات في هذا الاحتفال الذي نحيي فيه اليوم العالمي السّتين لوسائل التواصل الاجتماعي. نقدّم هذه الذبيحة المقدسة على نيّتكم ومن أجل نجاح رسالة وسائل التواصل الاجتماعي، ونصلّي مع قداسة البابا لاون الرابع عشر والكنيسة، لكي يبقى الإعلام مساحة لقاء وحقيقة، وخدمة للإنسان، لا أداة انقسام أو تضليل. وقد استمعنا في بداية هذه الليتورجيا إلى كلمة سيادة أخينا المطران منير خيرالله، راعي أبرشية البترون ورئيس اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام، مشكورًا، حول مضمون رسالة قداسة البابا لهذا اليوم، وهي بعنوان: "المحافظة على الأصوات والوجوه البشريّة".
ونرحّب برابطة آل حنين الكرام برئاسة الأستاذ نديم حنين، ونتمنّى لهم دوام الوحدة والتعاون في حياتهم ومشاريعهم.
3. "أجل، أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" (يو 13: 34). هذه هي الوصية الجديدة. الجديد فيها ليس فقط كلمة "المحبة"، لأن البشر عرفوا المحبة منذ القديم، لكن الجديد الحقيقي هو هذا المقياس الذي وضعه يسوع: "كما أنا أحببتكم". هذا هو الجديد!
كيف أحبنا المسيح؟ أحبنا من دون شروط. أحبنا رغم ضعفنا وخطايانا. أحبنا حتى بذل ذاته عنا. أحبنا لكي يرفعنا ويخلّصنا. ولهذا، فالمحبة في المسيحية ليست مجرد عاطفة، وليست مجرد كلام جميل، بل هي موقف حياة. المحبة هي أن أقبل الآخر، أن أغفر له، أن أحمله في صلاتي، أن أسانده، أن أراه إنسانًا له كرامة وله قيمة. المسيح لم يطلب من تلاميذه أن يتفوقوا على بعضهم البعض، بل أن يحبوا بعضهم البعض. لأن الحب وحده يبني الجماعة، ويبني الكنيسة، ويبني الإنسان من الداخل.
الحب يبدّل الإنسان، الحب يشفي الجراح، الحب يعيد الثقة، الحب يطفئ الكراهية، الحب يخلق السلام. ولهذا تبقى وصية الربّ يسوع جديدة في كل زمن، لأن العالم مهما تقدم يبقى محتاجًا إلى المحبة. فالإنسان بدون حب يصبح قلبًا متحجّرًا، والمجتمع بدون حب يصبح ساحة صراع، والوطن بدون حب يصبح مكان خوف وانقسام. فأن يحب الإنسان في زمن الانقسامات والكراهية، فهذا يحتاج إلى قلب كبير وإيمان كبير.
4. لبنان اليوم يحتاج إلى الحبّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فمحبّة الوطن في قلب المواطنين هي التي تبني الوطن وتحضنه، وتجعل أبناءه متّحدين يعملون من أجله وفي خدمته. لبنان لا يُبنى بالفساد، ولا بالكراهية، ولا بالأنانيّة، بل بالمحبّة، وبالشفافيّة، وبالأخلاقيّة، وبالصدق.
لكننا نقول نعيش اليوم في ظروفٍ صعبة، في ظلّ اعتداءات وانتهاكات متواصلة، وفي ظلّ واقعٍ يزداد غموضًا. كفانا بغضًا، فلنُحبّ. بالحبّ نلتقي، بالحبّ نتصالح، بالحبّ نتسامح، وبالحبّ نبني وطنًا يشعر فيه الإنسان بالأمان والكرامة والانتماء. نحن أبناء الحبّ، لا أبناء الكراهية. نحن أبناء الحياة، لا أبناء الحرب. ولهذا نتمسك بثقافة السلام، قائلين: لا سلام جون حب، لا للحرب، نعم للسلام. السلام وحده يحفظ الانسان والوطن. ولا سلام بدون حبّ، ولا وطن بدون محبّة بين أبنائه، ولا مستقبل يمكن أن يُبنى إذا بقيت القلوب غارقة في الخوف والانقسام والتوتّر.
5. الأوطان لا يحفظها السلاح، ولا تحميها القوّة، بل يحفظها شعبٌ يعرف كيف يحبّ، وكيف يلتقي، وكيف يضع الخير العام فوق المصالح الضيّقة. الأوطان يحفظها الضمير الحيّ، وتحميها القلوب الصادقة، وتبنيها المحبّة التي تجعل الإنسان يرى في أخيه شريكًا لا خصمًا، وأخًا لا عدوًّا. إنجيل اليوم يدعونا لنحبّ بعضنا بعضًا كما أحبّنا المسيح. هذا الكلام ليس فقط للعلاقات الفرديّة، بل أيضًا للحياة الوطنيّة. فبقدر ما نستطيع أن نحبّ، ونلتقي، ونتسامح، ونضع مصلحة الوطن فوق كلّ اعتبار، بقدر ذلك نستطيع أن نبني وطنًا حقيقيًا يعيش فيه الإنسان بسلام وطمأنينة وكرامة.
الأوطان لا تعيش بالخوف، بل بالثقة. ولا تعيش بالانقسام، بل باللقاء. ولا تعيش بالكراهية، بل بالمحبّة. لهذا، في وسط كلّ ما نعيشه من قلقٍ وانتظار وغموض، يبقى إيماننا صلبًا بأنّ الحبّ وحده قادر أن ينقذ الإنسان، وأن يعيد بناء الوطن، وأن يفتح باب السلام. وحده الحبّ يبقى، وبالحبّ نعيش. بالحبّ نسلّم هذا الوطن إلى الله، طالبين أن يحفظه من الشرّ والانقسام.
6. لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، أنت الذي أعطيتنا وصيتك الجديدة، ازرع محبتك في قلوبنا، وانزع منها كل كراهية وخوف وانقسام. علّمنا أن نحب كما أحببتنا، أن نغفر، أن نلتقي، أن نبني السلام. بارك وطننا لبنان، وأعطه نعمة الطمأنينة والاستقرار، وأبعد عنه الحروب والانقسامات والشرور. واجعلنا شهودًا لمحبتك في هذا العالم، حتى يعرف الجميع أننا لك، لأن فينا حبًا بعضنا لبعض. فنرفع المجد والشكر للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.