الاحداث- أكد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أن لبنان اليوم يحتاج إلى رجال ونساء جريئين ومستعدين للتغيير، وإلى وطن قادر على جمع الجميع دون قهر أو إقصاء.
وشدد الراعي في عظة الاحد على أهمية أن يكون الالتزام والإيمان بالمواقف الوطنية من صفات من يسهمون في بناء لبنان، مؤكداً أن الطريق نحو وطن مستقر يمر عبر الشجاعة والمصداقية والمسؤولية المشتركة.
فقد ترأس البطريرك الراعي قداس الاحد في كنيسة القيامة في بكركي .
وبعد الانجيل المقدس، ألقى عطة بعنوان"هذا هو حمل الله الحامل خطايا العالم" (يو 36:1)
وقال فيها:"1. إنجيل شهادة يوحنا المعمدان عن يسوع أنه "حمل الله، الحامل خطيئة العالم" هو إعلان أنّ يسوع هو الذبيحة التي اختارها الله نفسه، لا إنسان قدّمها، بل الله هو الذي جاد بابنه. هذه الشهادة ليست صدفة، وليست وليدة لحظة عاطفية، بل هي ثمرة تدبير إلهي رسم التاريخ خطوة خطوة، وهيأ يوحنا ليكون الصوت الذي يدلّ على الكلمة، والشاهد الذي يقود إلى النور.
يوحنا لا يتكلم عن فكرة، ولا يقدّم تعليمًا نظريًا، بل يشير إلى شخص حيّ حاضر أمامه. إصبعه ممدود، نظره ثابت، وصوته واضح: "هذا هو". وكأن التاريخ كلّه يتوقّف عند هذه اللحظة، لتُقال كلمة واحدة تختصر كل شيء. حمل الله هو ذاك الذي اختاره الله نفسه، لا البشر. هو الحمل البريء الذي لا يحمل خطيئة، بل يحمل خطايا العالم. هو الذبيحة التي لا تُفرض بالقوة، بل تُقدَّم بالمحبة.
الله هيّأ يوحنا، وحدّد رسالته، وجعله الصوت الذي يدلّ على الكلمة، والشاهد الذي يفتح الطريق أمام مجيء الخلاص. يوحنا يعرف أن دوره ليس أن يحتفظ بالتلاميذ، بل أن يدلّهم على المسيح. وهنا تكمن عظمة الشهادة: أن تعرف متى تتكلم، ومتى تنسحب، ومتى تشير إلى الآخر.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، وبخاصة "بالحركة الرسولية المريمية" التي نلتقي بها للمعايدة في هذا الأحد الثانيبعد الدنح، وفيه اعتلان سرّ المسيح للرسل. فنحيّي مرشدها العام المونسنيور هادي ضو، ورئيس مجلسها العام عزيزنا إيلي كميد،وأمينة سرّ المجلس عزيزتنا داليا الخوري.
3- الحركة الرسوليّة المريميّة هي حركة كنسيّة، تنبثق من الكنيسة وتلتزم بتوجيهاتها وتشترك في حمل رسالتها. وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأساقفة الذين وضعهم الروح القدس ليرعوا كنيسة الله، وتستمد قوتها الرسوليّة من مطابقة أهدافها مع أهداف الكنيسة، وتحاول برمجة نشاطاتها ضمن التخطيط الرسولي الموضوع على صعيد الأبرشيّة والرعيّة.
بكونها حركة كنسيّة، فهي تتعاون مع جميع المنظمات والحركات العاملة في الكنيسة. إنّها لا تدّعي القدرة على حل جميع المعضلات، إنما بتضافر القوى يمكن تذليل العقبات التي تعترض البشارة المسيحيّة. وفي هذا المجال، على الحركة أن تكون السبّاقة في البذل والعطاء في حقل الربّ، وتعتمد العمل الجماعيّ الذي يتجاوب تمامًا مع متطلبات الأعضاء المسيحيّة والإنسانية. وهذا العمل الجماعي هو في الوقت نفسه علامة شركة الكنيسة ووحدتها في المسيح القائل: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فأنا أكون وسطهم” (متى 18:20).
إنّ الحركة خادمة لكلّ إنسان، تريد خدمة الإنسان بكامل شخصيته. فهي تحاول مساعدته على إنماء ذاته لجميع طاقاته وقواه الروحية والجسدية والفكرية، وتهدف من خلال عملها التقديسيّ والتبشيري إلى مزيد من الالتزام نحو الإنسان الذي من أجله تجسّد ابن الله، فصار إنسانًا كاملًا ليفتدي الإنسان بعطاء ذاته حتى المنتهى على الصليب.
4. لقد شرّفني قداسة البابا بصفتي رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، برسالة شكر على حفاوة استقباله في زيارته إلى لبنان من 30 تشرين الثاني حتى 2 كانون الأول الماضي.سنتلوها عليكم بعد هذه العظة.
5. إنجيل شهادة يوحنّا يضعنا في اليوم الثاني بعد معمودية يسوع. فبعد أن انفتحت السماء فوق يسوع في الأردن، وبعد أن أُعلن عنه علنًا، تبدأ الآن مسيرة الدعوة، مسيرة الاتباع، مسيرة الشهادة التي تقود إلى الخلاص. يوحنا يقف مرة جديدة، لا ليجذب الأنظار إلى نفسه، بل ليحوّلها عن ذاته. عظمته أنه يعرف متى يتراجع، ومتى يصمت، ومتى يشير. هو صوت لا كلمة، شاهد لا محور.
«هذا هو حمل الله». بهذه الشهادة، يرسم يوحنا طريق التلاميذ، وطريق الكنيسة، وطريق كل مؤمن. فالحمل هو الذبيحة، هو الوداعة، هو من يحمل خطايا العالم لا بالسيف، بل بالمحبّة، لا بالقوة، بل بالبذل.
6. أندراوس والتلميذ الآخر سمعا الشهادة وتبعا يسوع. لم يطلبا شرحًا طويلًا، بل مشيا وراء يسوع، فالتفت إليهما وسألهما: «ماذا تريدان؟». سؤال يكشف القلب. فأجابا: «يا معلّم، أين تسكن؟». فأجابهما: «تعاليا وانظرا». فذهبا ومكثا عنده ذلك النهار. اللقاء الحقيقي لا يُشرح، بل يُعاش.
ثم نرى ثمرة الشهادة: أندراوس لا يحتفظ بالخبر لنفسه، بل يذهب إلى أخيه سمعان ويقول له: «وجدنا المسيح». فيذهب سمعاندون أي سؤال، فقط ليرى. وعندما التقى يسوع، نظر إليه وقال له: «أنت سمعان ابن يونا، وستُدعى بطرس»، أي الصخرة. هكذا تصنع الشهادة: من يسمع يتبع، ومن يتبع يلتقي، ومن يلتقي يتغيّر، ومن يتغيّر يصبح أساسًا لغيره.
7. لبنان اليوم بحاجة إلى رجال ونساء يشبهون يوحنا في جرأته، وأندراوس في أمانته، وبطرس في استعداده للتغيير.
بكلمة صادقة يمكن أن يُنقذ وطن. بشهادة نقيّة يمكن أن يُفتح أفق. حين تكون النوايا صافية، والخلفيات نظيفة، تصبح الشهادة قوة فاعلة في المجتمع. وطن يجمع الكل لا يُبنى بالقهر، بل بالشهادة؛ لا بالإقصاء، بل بالإشارة إلى الطريق الصحيح، طريق الحقيقة، طريق الكرامة، طريق الخلاص.
لبنان يحتاج إلى من يشهد له لا بالكلام فقط، بل بالموقف، بالالتزام، بالمسؤولية، وبالإيمان بأن هذا الوطن، رغم جراحه، قادر أن يقوم إذا وُجد من يدلّ عليه كما دلّ يوحنا على المسيح.
8. في ضوء هذا الإنجيل، نرفع صلاتنا إلى حمل الله، الحامل خطايا العالم. نصلّي من أجل كنيستنا، لتبقى كنيسة شهادة لا مساومة. نصلّي من أجل وطننا لبنان، ليمنحنا الله شهود حق، وقادة حكماء، وقلوبًا مستعدة للسير في طريق الخلاص. ومنه نرفع نشيد المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
رسالة البابا
أضاف: " شرفني البابا برسالة شكر على حفاوة استقبالنا له في لبنان".
ثم تلا رسالة البابا لاوون الرابع عشر وجاء فيها:
غبطة البطريرك الجزيل الوقار
الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
بطريرك أنطاكية للموارنة
ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان
تحية أخوية في الرب يسوع،
يسرني أن أوجه إلى غبطتكم هذه التحية الأخوية مصحوبة بأطيب الأماني، راجيًا أن تكونوا أنتم وجميع الشعب المؤمن ثابتين في الإيمان لمواجهة كل الصعاب.
بعد شكر الله الذي سمح لي بعنايته الإلهية أن أتقابل معكم خلال الزيارة الرسولية إلى لبنان، أشكركم، صاحب الغبطة، وأشكر جميع رؤساء الكنيسة الكاثوليكية والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والجماعة المسيحية في لبنان على استقبالكم الحار وترحيبكم الصادق، وأثمن كل ما بذلتموه من جهد لإنجاح هذه الزيارة. لقد رافقتموني بالصلة وروح المحبة، ورحبتم بي بودٍ صادق، دليلاً على الشراكة الحقيقية مع كرسي بطرس. أحمل في قلبي ذكرى اللقاءات وأوقات الصلاة المؤثرة التي جمعتنا في صلاة واحدة من أجل لبنان الصامد في وجه العواصف.
خلال هذه الأيام التي قضيتها معكم، شعرت عن قرب بآلام وتحديات شعب لبنان، وسمعت أيضًا أصواتًا مفعمة بالمحبة والرجاء والعزاء. ويعود الفضل في ذلك إلى رعايتكم الأبوية، وإلى قرب الكنيسة عامة، بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وكل مؤسساتها، من المؤمنين الموكلين إلى رعايتكم، فترعونهم وتساندونهم لمواجهة الصعاب اليومية.
في الحقيقة، استطعت أن أرى وألمس بأن الكنيسة في لبنان حية، وأن المسيح حاضر في شعبه المؤمن، الذي يستمد قوته منه ليكون نورًا يضيء في هذا البلد وخارجه. لتكن شهادة قدّسي لبنان، التي صقلتها الشدائد وقوتها خبرة الحياة، رسالة حيّة تعلن أن لبنان هو رسالة إيمان ورجاء ومحبة لجميع أجياله.
حفظكم الله، صاحب الغبطة، وواصل عمل الروح القدس فيكم، لتكونوا بين إخوتكم من البطاركة والأساقفة والكهنة والمؤمنين صورة حيّة للسيّد المسيح.
أتمنى لغبطتكم كل خير وبركة، وأرافقكم بصلواتي، فليدم الله عطاؤكم وليغدق عليكم جزيل نعمه".