أكد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن السياسة حين تسقط في أرض المصلحة الضيقة لا تثمر، والقرار حين يقع على صخر الانقسام لا يثبت، فيما الإصلاح حين تخنقه شوك المحاصصة يموت.
وقال الراعي، خلال عظة قداس الأحد، إن اللبنانيين يريدون «لبنان على صورة الأرض الطيبة، وطنًا حرًا سيدًا مستقلًا يقوم على العدالة والدستور».
وتطرق إلى المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة، معربًا عن تطلعه إلى أن تثمر نتائج تحفظ حقوق لبنان، وتوقف الاعتداءات، وتؤمّن الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وشدد الراعي على أهمية تغليب المصلحة الوطنية وتعزيز منطق الدولة، بما يساهم في حماية لبنان وترسيخ الاستقرار والسيادة
فقد احتفل البطريرك الراعي، بالقداس الإلهي صباح اليوم الأحد. في الصرح البطريركي في الديمان،
عاونه فيه المطران الياس نصار، النائب البطريركي، والأب فادي تابت، أمين السر العام، ولفيف من الكهنة.
وبعد الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: «الحبّ الذي وقع في الأرض الجيدة أثمر» (لو 8: 15)، انطلق فيها من مثل الزارع ليؤكد أن زرع الله هو كلمته، وأن الزارع هو المسيح بواسطة الكنيسة، فيما تختلف الأرض التي تستقبل الزرع، فيسقط بعض الحب على الطريق، وبعضه على الصخر، وبعضه بين الشوك، وبعضه في أرض طيبة، ولذلك «كان الفرق في الثمر لا في الزرع».
الكلمة واحدة... ولكن الأرض هي التي تصنع الفرق
وأوضح الراعي أن كلمة الله تُعطى للجميع، كما أن النعمة معروضة على الجميع والحب الإلهي يقترب من كل قلب، لكن الإنسان هو الذي يحدد بكيفية استقباله للكلمة ما إذا كانت ستترك أثرها فيه أم تبقى عابرة، وما إذا كان سيسمح لهموم الحياة بأن تخنقها أم يفتح لها أعماقه فتصير حياة وثمرًا.
وقال إن الأرض الجيدة هي القلب الذي يسمع الكلمة ويحفظها في قلب صالح ويثبت فيها بالصبر، فيثمر. فالمشكلة ليست في الزرع ولا في الزارع، بل في الأرض التي تستقبل، وفي مدى استعداد الإنسان لأن يفتح قلبه لعمل الله فيه.
ترحيب بالمشاركين ووفاء لذكرى جورج صليبا
ورحّب البطريرك الراعي بالمشاركين في الذبيحة الإلهية، وخصّ بالترحيب الوفد البولندي برئاسة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البولندي، وسفيرة بولندا في لبنان، كما رحّب بالسفير الدكتور إبراهيم المجذوب، الرئيس التنفيذي لمجلس أمناء سفراء دول العالم في الاتحاد الأوروبي، وبعدد من الضيوف.
ووجّه غبطته تحية خاصة إلى عائلة المرحوم جورج صليبا، الذي وصفه بأنه كان ملتصقًا بالكرسي البطريركي في بكركي وفي أسفار البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، ومأخوذًا بالخدمة المتواضعة والمتفانية، مشيرًا إلى أنه عرفه منذ نحو عشرة أعوام مع زوجته وابنتيها، ورافعًا الصلاة لراحة نفسه ولعزاء أسرته وعائلات أشقائه وسائر أنسبائه.
أربع صور للقلب أمام كلمة الله
وتوقف الراعي مطولًا عند الصور الأربع التي يقدمها مثل الزارع لاستقبال كلمة الله. فالحب الذي يقع على قارعة الطريق يمثل الإنسان الذي يصل إليه كلام الله لكنه لا يجد فيه مكانًا ليستقر، فيسمع الإنسان من الخارج من دون أن يسمح للكلمة بأن تدخل قلبه وتغير شيئًا في حياته. وهذا هو موقف عدم الاكتراث بكلام الله.
أما الحب الذي يقع على الصخرة، فيمثل من يستقبل الكلمة بفرح وحماس، لكن من دون جذور عميقة، فيتراجع عند التجربة والصعوبة، لأن الإيمان لم يدخل إلى عمق نفسه، وهو موقف الذين ليس عندهم عمق روحي بل هم سطحيون.
أما الحب الذي يقع بين الشوك، فأشار غبطته إلى أنه يمثل القلب الذي يريد الله، لكن أمور الدنيا والمال والرغبات والمصالح تحتل فيه المكان الأكبر، فيسمع الإنسان كلمة الله فيما يبقى قلبه مشغولًا بالمال والمصلحة والقلق.
واعتبر أن هذه المواقف الثلاثة، أي اللامبالاة والسطحية والانشغال بهموم الدنيا الذي يخنق الروح، هي ما يريد الرب أن يحرر الإنسان منه.
الأرض الطيبة: عقل يفهم وإرادة تقرر وقلب يحب
وفي المقابل، فإن الحب الذي يقع في الأرض الطيبة هو الذي يثمر، لأن كلمة الله تجد قلبًا صالحًا ومستعدًا، يسمعها ويحفظها ويعيشها ويثبت فيها، فتثمر في حياته محبة وخيرًا وأعمالًا صالحة.
وشدد غبطته على أن المسيح يريد لكلمته أن تقع في العقل والإرادة والقلب: في العقل لكي نفهم، وفي الإرادة لكي نقرر، وفي القلب لكي نحب. فالأرض الطيبة ليست أرضًا بلا صعوبات، بل أرض تقبل أن تُفلح وتُنقّى وتُروى وتنتظر، لأن كل زرع يحتاج إلى وقت، وكل حياة روحية حقيقية تحتاج إلى ثبات وصبر.
الليتورجيا تجعل القلب أرضًا طيبة
وربط الراعي بين سماع كلمة الله والذبيحة الإلهية، موضحًا أن الله يزرع كلمته في كل قداس، ثم يغذي المؤمنين بجسد المسيح ودمه. فنسمع الكلمة لكي نحفظها، ونتناول لكي نأخذ القوة على عيشها، فالليتورجيا تجعل القلب أرضًا طيبة، حتى يصبح ما نسمعه صلاة وحياة وثمرًا.
لبنان يحتاج هو أيضًا إلى «الأرض الجيدة»
ومن صورة الأرض الطيبة انتقل غبطته إلى لبنان، مؤكدًا أن للكلمة الإنجيلية معنى وطنيًا أيضًا، لأن الأوطان بدورها تحتاج إلى أرض طيبة لكي تثمر، ولبنان قبل كل شيء أرض تاريخ ورسالة وعيش مشترك.
وشدد على أن لبنان الذي يريده أبناؤه هو «وطن حر سيد مستقل، يقوم على العدالة والدستور واحترام الإنسان وكرامته»، وأنه وطن يريد السلام.
وأكد أن السياسة حين تسقط على أرض المصلحة الضيقة لا تثمر، وأن القرار حين يقع على صخر الانقسام لا يثبت، وأن الإصلاح حين يخنقه شوك المحاصصة والامتيازات يموت، فيما تثمر الإرادة الوطنية عندما تقع في أرض الدولة والقانون والعدالة، فتنتج استقرارًا وثقة ونهوضًا.
دولة قوية وقضاء مستقل وإدارة شفافة
وقال غبطته إن الأرض الجيدة في الوطن تعني دولة قوية وعادلة، وقضاءً مستقلًا، وإدارة شفافة، ومسؤولية تتحول من امتياز إلى خدمة، ومواطنًا يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية.
فلبنان يحتاج إلى مؤسسات تستقبل الكفاءة لكي تثمر خدمة، وإلى عدالة تثمر ثقة، وإلى قانون يثمر دولة.
وأكد البطريرك الراعي أن لبنان ليس أرضًا عقيمة، بل أرض أغنت العالم علمًا وثقافة وقداسة وفكرًا وحضورًا، وهي قادرة على أن تثمر من جديد متى زُرع فيها الحق وحُمي القانون وصينت الحرية.
لا نريد وطنًا تموت فيه أحلام الشباب
ودعا غبطته إلى أن يُزرع السلام لكي يثمر استقرارًا، والعدالة لكي تثمر ثقة، والقانون لكي يثمر دولة، والتعليم لكي يثمر مستقبلًا، والوحدة لكي تثمر وطنًا.
وشدد على أن لبنان المنشود هو «الأرض الجيدة التي لا تضيع فيها التضحيات، ولا تختنق فيها المبادرات، ولا تموت فيها أحلام الشباب»، في دعوة إلى إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة وسيادة القانون، بعيدًا عن الانقسامات والمصالح الخاصة.
الراعي: نريد مفاوضات تثمر سيادة وأمنًا واستقرارًا في الجنوب
وفي السياق نفسه، أعرب غبطته عن تطلعه إلى أن «تثمر المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة بما يحفظ حقوق لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤمّن الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ويعيد الأمن والاستقرار إلى أهل الجنوب وقراهم، ويفتح باب إعادة الإعمار، فتستعيد الدولة كامل دورها وسيادتها، ويكون الجيش اللبناني سندها في حماية الوطن».
وفي هذا الموقف، ربط غبطته بين مفهوم «الأرض الجيدة» واستعادة الدولة دورها، معتبرًا أن السلام والسيادة والاستقرار ليست شعارات، بل هي التربة التي يحتاج إليها لبنان لكي يستعيد عافيته ويعيد بناء ما تهدّم ويمنح أبناءه القدرة على البقاء في أرضهم وصناعة مستقبلهم.
لبنان ليس أرضًا عقيمة... ويمكنه أن يثمر من جديد
وأكد البطريرك الراعي أن لبنان، رغم ما مرّ به من أزمات وصعوبات، يبقى أرضًا قادرة على الحياة والعطاء، شرط أن تستعيد الدولة حضورها، وأن يحكم القانون، وأن تُصان الحرية، وأن تتحول المسؤولية العامة إلى خدمة للإنسان والوطن.
فكما أن الحب لا يثمر إلا إذا وجد الأرض الجيدة، كذلك لا يمكن للمبادرات والإصلاحات والتضحيات الوطنية أن تثمر إلا في أرض دولة عادلة، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وإرادة وطنية جامعة.
صلاة من أجل أرض تثمر حقًا وعدالة وسلامًا
واختتم البطريرك الراعي عظته بالصلاة: «يا رب، اجعل قلوبنا ووطننا أرضًا طيبة لكلمتك، واحفظ زرع الخير فينا من اللامبالاة والسطحية وهموم الدنيا. بارك لبنان وأرضه وشعبه، واجعل ما نزرعه اليوم حقًا وعدالة وسلامًا، غرسًا لأجيال الغد. واجعل أرضنا طيبة فتثمر لمجدك وشكرك إلى الأبد. آمين».