الاحداث- كتب نبيل بو منصف في صحيفة النهار:"من غير المرجح أن تكون أي انتخابات عامة سابقة في إسرائيل، قد اجتذبت انشداد اهتمام بلدان الشرق الأوسط ومتابعتها عموماً ولا سيما منها ما كانت تسمى سابقاً "بلدان الطوق" التي لها حدود مباشرة وحروب مباشرة أيضاً مع الدولة العبرية، كما حصل في الدورة الانتخابية الأخيرة.
وإذا كان مقياس الانشداد والاهتمام والمتابعة يختلف بمسبباته ومستواه بين بلد وآخر، وحتى داخل الجماعات نفسها، فإن الأمر الذي لا يحتاج إلى جدل ولو أن غالبية النخب تتجنب الإغراق فيه خشية تخوينها، يتمثل في أن الحدث الانتخابي الإسرائيلي الأخير جاء مدوياً في إفصاحه عن اضطراب هائل داخل المجتمع الإسرائيلي أسوة تماماً باضطرابات وأزمات ومشكلات تعم مجتمعات أعداء إسرائيل المأزومة تأزماً شديداً، مع فارق الانكشاف الشامل لواقع إسرائيل السياسي في ظل عدم القدرة على طمس الاضطرابات العربية أو حجبها في ظل عصر الذكاء الاصطناعي و"السوشال ميديا".
ولعل الأهم الذي واكب هذا الحدث، هو أن إسرائيل تباهت بديموقراطيتها وعرضتها أمام العالم على مقياس انتخابات حققت نسبة إقبال قياسي غير مسبوق، دلالةً على تفوق نظامها الديموقراطي في المنطقة كما تتفوق في المجال الحربي، مع فارق التباهي بين السلاح الاستراتيجي والديموقراطية العزلاء.
كانت الانتخابات الأخيرة حاجة إسرائيلية كبيرة جداً وملحة للغاية لكي تبدد وجه المجازر الرهيبة أيضاً، باعتبار أن عملية "طوفان الأقصى"، على خطورتها الكارثية وآثارها المدمرة، ما عادت تكفي لتحجب الرد الإسرائيلي المفرط المتدحرج، بل الشديد الإفراط في غزة، والحروب المتناسلة من لبنان حتى إيران.
هذا لا يعني بأي شكل أن الانتخابات، بعرضها الديموقراطي الواسع والشديد الوقع في منطقة الشرق الأوسط، ستردع الجموح الحربي المتمادي في إسرائيل فيما دول وأذرع وجهات أخرى في المنطقة على رأسها إيران تغدق الذرائع عليها لكي تبقي "المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا بعد غزة دائمة الاحتلال، وتبقي شرارات الحروب متقدة ومحفزة في أي لحظة للاشتعال.
ولكن هذا الاستحقاق الانتخابي جاء في ظروف متفجرة ليكشف أن الخلل الذي طبع الصراع العربي- الإسرائيلي أساساً، لم يعد خللاً بالمعنى التكتي والمعنوي، لأن إسرائيل تحتفي بانتخاباتها كما بحروبها، لجهة تفوقها الساحق عسكرياً كما تفوقها الساحق ديموقراطياً في مجمل المنطقة.
كانت المفارقة هائلة أن تفوز المجموعات العربية بأكبر تمثيل قياسي منذ نكبة 1948 ونيلها 19 مقعداً في الكنيست المنتخب الجديد، لأن هذا الحدث المفصلي يدين به الفائزون من عرب 1948 إلى "الديموقراطية العدوة" هذه التي تتبع النظام النسبي الدقيق جداً وذات المصافي الضيقة، بما يتيح تنقية الانتخابات وإيصال ممثلين لأي مجموعة.
بذلك، ولو أطلق بنيامين نتنياهو صراخ الاحتجاج والتشكيك والتحريض على فوز العرب، ستتباهى إسرائيل بتفوقين: تفوق حربي تتهيأ له بقوة وكثافة، وتفوق ديموقراطي يسعى من خلال النظام الانتخابي إلى تكريس هيمنة معنوية إلى جانب تفوق عسكري وتكنولوجي لا مواز له في المنطقة.
كان لبنان وحده منافساً مرشحاً لإسرائيل هنا بين بلدان المنطقة، صاحب النظام والأعراف والأصول الدستورية والقانونية الديموقراطية، ولو اختلف تماماً عن نظام إسرائيل، ولكنه اعتمد أخيراً النظام النسبي في انتخاباته العامة الأمر الذي أتاح تحسيناً كبيراً في التمثيل المسيحي واجتذاب فئات من خارج الطبقة السياسية الكلاسيكية للتمثيل النيابي.
بدت المفارقة في خلفية مشهد المنطقة بإزاء انتخابات إسرائيل، أن سلاحاً بهذه القوة الفتاكة، اسمه الديموقراطية النادرة في جوهرها وقوتها في هذه البقعة من العالم، وهي سلاح لا توازيه أي قوة عسكرية.