الاحداث- كتبت صحيفة نداء الوطن تقول:"تحوّل «العفو العام» إلى مرآة لاستنسابية الحق والحقيقة في لبنان. فبين ملف المبعدين إلى إسرائيل، الذي لا يزال أسير أحكام سياسية صُنعت في زمن الهيمنة، وقضية الموقوفين الإسلاميين التي تفجّر غضبًا سنّيًا متصاعدًا، يبدو أن القانون المطروح فُصّل على قياس «الدولة العميقة». ومن هنا، تُطرح أسئلة جوهرية حول معايير العدالة: من يُعفى؟ من يُستثنى؟ ومن يملك حق تصنيف المواطنين بين وطنيين وخونة؟ أما من ضرب حياة اللبنانيين واستقرارهم بعرض حائط «الإسناد»، كأنه في «غفو عام» متعمّد عن مصلحتهم وإرادتهم، فيبقى خارج أي محاكمة أو مساءلة فعلية.
في هذا السياق، تشير مصادر كنسية إلى أنّ قضية المبعدين لن تكون مكسر عصا أو الحلقة الأضعف. فهي تتجاوز الاعتبارات القانونية والسياسية الضيّقة. فهي، وإن كانت وليدة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، إلا أنّ جذورها السياسية والتاريخية تتصل بملف الحرب الأهلية، وبالطريقة التي أُريد بها قراءة تلك المرحلة بعين واحدة، إذ طُمست الوقائع لمصلحة رواية أحادية تقدّس فريقًا تحت عنوانَي «الوطنية» و»الشرف»، وتُلصق بآخرين تهمتَي «الخيانة» و»العمالة». وقد تولّت الماكينات الإعلامية والفكرية لـ»محور الممانعة» ترسيخ هذا التشويه المنهجي للذاكرة الجماعية، بما يخدم تصوّراتها ومصالحها السياسية. ولفتت إلى أن المبعدين والذين يبلغ عددهم نحو 4 آلاف لبناني، لا يفكرون بالعودة إلا بما يحفظ كرامتهم الشخصية والوطنية وتسوية أوضاعهم الشخصية والقانونية والأهم شعورهم بقيام دولة لبنانية فعلية تحميهم، وطبعًا بعد إنجاز السلام أو أي اتفاق أمني سياسي مستدام بين لبنان وإسرائيل.
من جهّته، شدد المحامي مجد حرب على أنّ ملف المبعدين لا يمكن فصله عن القضية الأم، أي «جيش لبنان الجنوبي»، الذي تشكّل، وفق هذه القراءة، في سياق الدفاع عن الوجود وهوية لبنان خلال مرحلة سيطرة المنظمات الفلسطينية على الجنوب، وبطلب من السلطة اللبنانية آنذاك. وذكّر بأنّ عناصره كانوا من الجيش اللبناني، واستمروا في تحصيل مستحقاتهم المالية الشرعية. لذلك، يرى أنّ إدراج هذه القضية ضمن سلة واحدة مع ملفات أخرى مطروحة في قانون العفو يؤكد أنّ ملف الحرب الأهلية لم يُطوَ بعد، وأنّ ذهنية الدولة لا تزال تتعامل معه بمنطق انتقائي، لا بمنطق مصالحة وطنية شاملة.
واعتبر أنّ الاختبار أو المقياس الفعلي لتحرر الحكم والقضاء العسكري وغيره من العقدة العقائدية لـ «حزب الله» يبدأ من ملف المبعدين إلى إسرائيل تحديدًا. ويسأل: لماذا لم يُحاكم الذين تعاملوا مع النظام السوري الأسدي؟ ولماذا لم تُفتح ملفات من تعاملوا مع إيران، أو تورّطوا في جرائم سياسية واغتيالات في أوقات السلم لا في زمن الحرب فقط؟ ولماذا يستمر التغاضي عن أحزاب وعقائد لا تعترف بلبنان أصلا، في حين يبقى ملف المبعدين وحده أسير قوالب سياسية تعود إلى زمن الهيمنة والاستقواء؟
واعتبر حرب أن القانون رقم 194 (2011) يشكّل «هرطقة» تمنح القضاء العسكري هامشًا استنسابيًا واسعًا؛ إذ يستثني من العفو جرائم الخيانة، والتجسس، والمس بأمن الدولة، والتورط ضد اللبنانيين، دون تحديد معايير دقيقة أو واضحة لهذه التهم. وبناءً على هذه الضبابية، طالب بصياغة نصوص حاسمة لا تحتمل التأويل، متسائلًا بوضوح: هل ستُطبّق هذه المعايير ذاتها على من تجسسوا ولا يزالون لصالح إيران، أو من عملوا سابقًا لحساب النظام السوري واعتدوا على أمن لبنان واللبنانيين؟.
من بعبدا إلى اللجان
أما على الساحة السنيّة، فتعيش حالة إرباك وغضب بعد الصيغة الأخيرة لقانون العفو، وما يزال احتجاج أهالي الموقوفين مستمرًا في عدد من المناطق. وفي السياق، تكشف «نداء الوطن» كل ما حصل في هذا الملف، منذ اجتماع بعبدا وصولا إلى إلغاء رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة. وفي التفاصيل، تم الاتفاق في بعبدا على أن تصبح العقوبة 30 سنة سجنية للمحكومين بالإعدام، و25 سنة سجنية للمحكومين بالمؤبد. وبعد هذا الاجتماع، حصل لقاء آخر دعا إليه نائب رئيس المجلس النائب إلياس بو صعب، وقد قاطعه أغلبية النواب السنّة كي لا تُكسر كلمة عون، إضافة إلى مقاطعة الكتل المسيحية. وحصل خلال الاجتماع أخذ ورد، لكن في النهاية تم التوصل إلى احتساب الإعدام 28 سنة، أي 21 سنة ونصف سنة فعلية، والمؤبد 21 سنة سجنية، أي 17 سنة فعلية.
وحصلت بعدها جلسة اللجان المشتركة، وعندها وقع الالتباس الكبير بالنسبة إلى الحق الشخصي. فإذا أُقر العفو عن الموقوفين ولم يتم إسقاط الحق الشخصي، فلن يخرج السجين. وعندها ثارت ثائرة الموقوفين الإسلاميين وأهلهم. كذلك، لم تُقر اللجان قوانين تؤدي إلى العفو عن الشيخ أحمد الأسير وعدد من الإسلاميين، في مقابل منح «الثنائي الشيعي» كل ما يريد من العفو المتعلّق بتجّار المخدرات، وكذلك عدم إنصاف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل. وبالأمس، عُقد اجتماع بين وفد من النواب السنّة ضمّ كلا من النواب بلال الحشيمي ونبيل بدر ووليد البعريني، وممثل عن الموقوفين الإسلاميين، مع بو صعب. وتم حل مسألة الحق الشخصي، حيث تم التأكيد أن هذا الأمر لا يشمل الموقوفين الإسلاميين، في حين لم يجدوا حلا لمسألة العفو عن الأسير، ما يدل على بقاء الامتعاض السنّي. ومن المتوقع أن يزور الوفد النيابي السنّي رئيس الحكومة اليوم لحل العقد المتبقية، في حين دعا النائب عماد الحوت 21 نائبًا سنيًا أمس إلى الاجتماع، من دون أن ينجح في جمعهم.
لا تهدئة في الجنوب
بالتوازي مع الكباش السياسي والشعبي المحتدم حول قانون العفو، يسود تخوّف من إحالة الملف إلى أدراج المماطلة، على غرار قانون الانتخاب والملفات العالقة الأخرى. وتتزامن هذه المراوحة المحلية مع ترقّب رسمي للمفاوضات المقبلة في واشنطن، وتحديدًا الاجتماع الأمني في البنتاغون المقرر في 29 أيار المقبل، والذي يأتي على وقع تصعيد ميداني في الجنوب، تتشابك فيه إنذارات الإخلاء والغارات الإسرائيلية التي طالت عددًا من البلدات الجنوبية، لا سيما في الدوير ودير قانون النهر، مع العمليات والاشتباكات التي يعلن عنها «حزب الله».
وفي هذا السياق، أفادت مصادر «نداء الوطن» بأنه من المتوقع أن يتم تشكيل الوفد العسكري خلال اليومين المقبلين، علمًا ان التشكيلة ستبقى طيّ الكتمان حاليًّا. وبالنسبة إلى الضابط الشيعي، أشارت المصادر إلى أن المؤسسة العسكرية هي من تتولى هذا الموضوع، وأن معايير اختيار أعضاء الوفد العسكري لا تخضع للمعايير نفسها التي تحكم تشكيل الوفود الدبلوماسية أو السياسية. وترجّح المصادر أن يغادر الوفد إلى واشنطن قبل عيد الأضحى.
أما على مقلب مساعي التهدئة، فقد قاد رئيس الجمهورية جوزاف عون أمس، اتصالات مع الجانب الأميركي بانتظار الرد، ورغم ذلك، لا تعكس المؤشرات الميدانية أي بوادر لتهدئة قريبة، حيث تشتعل الجبهة الجنوبية بانتظار ما قد تسفر عنه الضغوط الأميركية لضبط إيقاع المواجهة.