Search Icon

اللعب بالنار "التأسيسية"... احذروا العواقب!

منذ ساعة

من الصحف

اللعب بالنار التأسيسية... احذروا العواقب!

الاحداث- كتب نبيل بو منصف في صحيفة النهار:"من الإرث المشؤوم لزمن الوصاية السورية، أن تنبري السلطات المتعاملة والمتواطئة في تلك الحقبة إلى تحريك فزّاعات سياسية ودستورية ضد فئات وجهات معارضة مسيحية خصوصا، في موازاة القمع والترهيب الأمني والاستخباري الذي كان يمارس ضد القوى المسيحية المناهضة للنظام الأسدي واحتلاله لبنان.
 
هذا الإرث المشؤوم عاود ما يسمى الفريق الممانع مرات ومرات المشي على خطاه واتباعه في حقَب ما بعد الانسحاب السوري واحتدام الصراع بين معسكري 14 آذار و8 آذار، وصولا إلى الحقبة الأخيرة الممتدة منذ 8 تشرين الأول 2023، أي غداة عملية "طوفان الأقصى" التي تصادف اليوم ذكراها الثالثة. فقد حل في لبنان مكان الصراعات السياسية - وكان آنذاك عصر الفراغ الرئاسي أيضا من مآثر الفريق الممانع- عصر الغرق في مآثر حروب الإسناد المتعاقبة على اسم غزة وإيران، التي أشعلها "حزب الله" واستدعى عبرها إسرائيل إلى احتلال للجنوب قد يشكّل أطول الاحتلالات وأشدّها تدميرا وخطورة. 
 
ما كان لإنعاش الذاكرة هذا من ضرورة قصوى لأن أحداثه معروفة وطرية في الذاكرة، لولا "إطلالة" متجددة لتجربة المجرب في نفض الغبار عن أسلوب الابتزاز السياسي في مسائل وملفات ذات طبيعة تأسيسية، غالبا ما تستبطن انقسامات عميقة لم تردمها عقود من عصر الطائف، ولا تزال تثير حساسيات دفينة.
 
بالأمس، وفجأة طلعت من غبار الواقع اللبناني الغارق في تداعيات حروب الإسناد وما يصاحبها من تداعيات الداخل المتخبط بأزمات متشابكة في كل الاتجاهات، استفاقة تعديل قانون الانتخاب، كأنها الفتح المبين الذي اكتشفه النظام الداخلي لـ مجلس النواب، الذي ألقيت "التبعة" عليه في هذه الاستفاقة المباغتة، أو لعله "الذكاء الاصطناعي" لساحة النجمة مَن ضرب جرس الإنذار لإدارة الوجوه والعقول والورش النيابية العاجلة إلى استحقاق منسي بفعل التمديد للبرلمان بفضل حروب الإسناد.
 
والحال أن قانون الانتخاب بذاته، قد يستأهل ثورة تشريعية لا صلة لها بأيّ من طروحات القوى السياسية والحزبية والاجتماعية ومواقفها الراهنة، أيّا تكن خلفياتها ومواقعها وأطروحاتها. بل إن الاتجاه الأمثل في المعالجة الجذرية لهذا الملف، قد يكون على يد طبقة سياسية تغييرية كاسحة ماسحة تدفع بالنظام السياسي اللبناني إلى أقرب المسافات إطلاقا من العلمنة الشاملة، ولكن هذا لن يحصل "على أيامنا" ولا على أيام الأجيال المقبلة إلى أمد طويل. ولذا لا ترانا في الواقع الراهن بالبساطة والسذاجة الكافيتين، لنصدق أن نبش ملف قانون الانتخاب الآن، لم يكن إلا صنيعة التزام النظام الداخلي لمجلس النواب، فيما تنزلق البلاد قدما نحو مجاهل الأخطار المتجددة لثالث حرب محتملة، أو لما يوازيها خطورة في رحلة لبنان الشاقة في مسارات المفاوضات وحصرية السلاح وتركيز الدولة على قاعدة سيادية ثابتة. 
 
يشكل ملف قانون الانتخاب بكل المعايير الأساسية للتمثيل، أخطر القوانين التأسيسية إطلاقاً في سلّم الأولويات، حين يتفرغ اللبنانيون لإعادة مقاربة النظام الدستوري والسياسي في ظروف تغييرية حقيقية لم يعرفها لبنان بعد منذ عقود، بفعل اللعب بنار الحساسيات الطائفية كلما كانت ملفات السيادة وأزماتها في أوج احتدامها، كمثل اللعب بملف إلغاء الطائفية السياسية الذي كان يتحرك بناء على طلب النظام الاسدي البائد كلما صعّد مناهضوه ومعارضوه المسيحيون خصوصا مسارات التعبير الرافض عن وصايته.
 
لذا لا فارق بين تهويل ضمني وابتزاز علني في تحريك ملفات تأسيسية، قبل أن تثبت ضمانات لدولة حقيقية بلا سلاح التبعية، وإلا فالتجارب لا تحتاج إلى مجربين إضافيين!