الاحداث- صدر عن الوزير السابق القاضي محمد
وسام المرتضى البيان الآتي:
"فؤجئنا أوّل أمس بمقتل الشاب
علي عزّام حمادة ابن الهرمل الحبيبة وعائلة آل حمادة الكريمة التي نفتخر بنسبٍ وعلاقات أخوّةٍ
ومودّة تربطنا بها، والحقيقة أنني لم أعرف هذا الشاب إلاّ من شهادات الذين عرفوه،
ومن الصفات التي تداولها الناس عنه: الوداعة، والطيبة، والالتزام الأخلاقي
والإيماني. وربما لهذا كان فقده أكثر وجعًا؛ لأنَّ شابًا بهذه الصفات لم يخسر
حياته بفعل خطيئة اقترفها، بل دفع ثمن جريرة لم يرتكبها، وحُمّل ظلمًا وزرًا ليس
له.
أيّ عدلٍ هذا الذي يُؤخذ فيه البريء
بإثم غيره؟ وأيّ دينٍ أو مروءةٍ أو قيمةٍ عشائرية تسمح بأن يمتدّ الغضب إلى إنسانٍ
لا ذنب له؟
يقول الله تعالى:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فما أعظم حرمة النفس، وما أفدح أن
يصبح الإنسان ضحية خصومةٍ لم يصنعها.
الثأر، مهما اشتدّ الغضب الذي يولّده،
لا يصير عدلًا، والدم لا يُغسل بالدم، والظلم لا يصبح حقًا لأننا ارتكبناه باسم
الحق. بل إن الثأر من بريء ظلمٌ مضاعف: ظلمٌ لمن قُتل، وظلمٌ للحق نفسه، حين
يُستعمل ذريعةً لقتل من لا ذنب له.
وهنا نفتقد عقل الكبار؛ أولئك الذين
تُعرف قيمتهم لا عندما تهدأ النفوس، بل عندما تشتعل.
فالكبير ليس من يملك القدرة على
الانتقام، بل من يملك القدرة على منعه. هو الذي يقول، في ساعة الغضب: قفو! وهو
الذي يرى شرارة النار قبل أن تصير حريقًا، فيطفئها قبل أن تمتدّ إلى بيت، ثم إلى
بيت، ثم إلى مدينة.
فما أخطر أن يغيب الرشد في اللحظة
التي يحتاج فيها المجتمع إلى الحكمة والرويّة.
فعندما يغيب العقل، يدفع الصغار
الثمن؛ شبابٌ لا شأن لهم بخصومات الأمس، ولا بحسابات غيرهم، ولا بأحقادٍ ربما لم
يعرفوا أصلها، يتحوّلون إلى وقودٍ لنارٍ لم يشعلوها.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة.
كان ينبغي أن تكون حاضرةً منذ بداية
الأزمة: تسمع، وتتدخل، وتضبط، وتمنع النار من التمدّد. فالدولة لا تُقاس فقط
بقدرتها على معاقبة الجريمة بعد وقوعها، بل بقدرتها على منع الجريمة قبل أن تقع،
وعلى قطع الطريق على الفتنة قبل أن تجد من يحملها إلى الشارع.
ولو عولجت هذه الأزمة منذ بدايتها
بحزم الدولة وحكمة العقل، لربما لم نكن بالأمس أمام نعش شابٍ كان ينبغي أن تكون له
الحياة، لا الموت.
لذلك نقول للدولة، بكل محبةٍ وصراحة:
كوني حاضرة. احمي البريء. لاحقي
المذنب. طبّقي القانون. واقطعي الطريق على الثأر.
فحين تتأخر الدولة، يتقدّم الغضب؛
وحين يصمت القانون، يتكلّم السلاح. وحين يشعر الناس أن حقوقهم لا تجد طريقها إلى
العدالة، قد يبحث بعضهم عن عدالةٍ بأيديهم، وهناك تبدأ الكارثة.
نحن لا نريد دولةً تنتقم، بل دولةً
تعدل. ولا نريد منها أن تستوفي الحق بالدم، بل أن تمنع الدم من أن يصبح وسيلةً
لاستيفاء الحق.
وعلي عزّام حمادة هو اليوم جرحٌ في
ضمير هذه المعاني كلّها؛ جرحٌ يقول لنا إن الإنسان قد يُقتل مرتين: مرةً حين يُزهق
دمه ظلمًا، ومرةً حين يُجعل دمه ذريعةً لإزهاق دمٍ آخر.
أما الهرمل، هذه المدينة التي كانت
على الدوام ذاكرةً للتضحية، والتي قدّمت خيرة شبابها في سبيل الوطن، حتى غدت بحقّ
خزانًا للشهداء، فلا يليق بها أن تُستنزف أجيالها في ثأرٍ داخلي.
لا يليق بها أن تودّع شابًا كان يمكن
أن يبقى بين أهلها، يعمل، ويكبر، ويؤسس بيتًا، ويصنع مستقبلًا.
ولا يليق بشهدائها إلا أن تتحوّل
دماؤهم، التي أُريقت تضحيةً وفداءً، إلى حقنٍ لدماءٍ أخرى لا يبرّر العقل ولا
الضمير إهدارها.
فيا أهل الهرمل، احفظوا أبناءكم.
لقد دفعت مدينتكم من دمها كثيرًا، فلا
تجعلوا الثأر يأخذ منها ما تبقّى.
ويا آل حمادة، يا أهل الفقيد ومحبيه،
أعرف أن الكلام في ساعةٍ كهذه لا يواسي قلب أم، ولا يعيد شابًا إلى حضن أهله، ولا يسدُّ
الفراغ الذي كان عليّ يملؤه.
لكنني أخاطب فيكم ما هو أكبر من
الحزن: أخاطب الإيمان، والحكمة، والمروءة.
لا تجعلوا عليًا سببًا لدمٍ آخر.
لا تطلبوا له ثأرًا من بريء، لأن
البريء لا يحمل ذنب القاتل.
اطلبوا له العدالة؛ أن يحاكم من ارتكب
الجريمة، وأن ينال جزاءه.
ولعل أعظم وفاءٍ لعلي أن تكونوا، في
لحظة الانكسار، أكبر من الجرح؛ وأن تقولوا:
لن نقتل باسم علي.
لن نظلم باسم علي.
لن نسمح بأن يكون دمه بداية دمٍ آخر.
بل نجعله، بإذن الله، آخر دمٍ يُسفك
في هذه السلسلة.
فليست الرسالة التي ينبغي أن تخرج من هذه الفاجعة رسالةَ ثأر، بل رسالةَ حياة: أن نحفظ الأحياء وفاءً لمن رحل، وأن نترك
للقانون أن يأخذ مجراه، وأن نطفئ نار الفتنة قبل أن تأكل أبناءنا.
فليس أقسى على مدينةٍ من أن تفقد
أبناءها في ساحات التضحية، ثم تفقد أبناءً آخرين في ساحات الثأر.
والهرمل لا تستحق ذلك.
رحم الله علي عزّام حمادة، ورحم كلّ
بريءٍ قضى بجريرة غيره.
وربط على قلوب أهله، وحفظ الهرمل
وأبناءها، وألهم الجميع من الحكمة ما يطفئ نار الغضب قبل أن تأكل من لا ذنب لهم."