Search Icon

المطران خيرالله في عيد مار يوحنا مارون: لننزع السلاح من قلوبنا ونجدّد رسالة لبنان كأرض حرية وتعددية

منذ ساعتين

متفرقات

المطران  خيرالله في عيد مار يوحنا مارون: لننزع السلاح من قلوبنا ونجدّد رسالة لبنان كأرض حرية وتعددية

الاحداث- ترأس راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله في عيد مار يوحنا مارون في الكرسي الاسقفي – كفرحي، في حضور النائبين غياث يزبك وجبران باسيل، النائب السابق سامر سعادة، رئيس اتحاد بلديات البترون روجيه يزبك، رئيس بلدية كفرحي جورج عقل ، النائب الثالث لرئيس حزب الكتائب نبيل الحكيم وحشد من المومنين.

وبعد الانجيل المقدس، القى المطران خيرالله عظة قال فيها: «انتم ملح الارض، انتم نور العالم!» (متى 5/13-15)

نحن هنا اليوم، في عودة الى جذورنا الروحانية والتاريخية والكنسية، لنعيد معا مار يوحنا مارون البطريرك الماروني الاول ومؤسس الكنيسة البطريركية المارونية ومطلق مسيرتها الرسولية والارسالية، من هنا من كفرحي، في نهاية القرن السابع؛ ثم انتشرت في العالم حاملة الرسالة الانجيلية بنكهة مارونية في طاعة للرب يسوع الذي يقول لابنائها وبناتها، كما قال لرسله وتلاميذه: «انتم ملح الارض! انتم نور العالم!». لكن الويل لكم اذا فسد ملحكم، فباي شيء يملح، والويل لكم اذا تحول نوركم ظلاما، فمن يضيء عتمة العالم؟

والنكهة المارونية هي طعم السماء على الارض في عيش لروحانية نسكية وضعها القديس مارون الناسك نهجا لحمل الصليب مع المسيح، صليب الموت والقيامة. وتتميز هذه الروحانية، في بعدها النسكي العمودي، بعلاقة مع الله عيشا في العراء على قمم الجبال او في قعر الوديان، وفي الصوم والسهر والصلاة والوقوف المستمر والعمل في الارض. وتتميز، في بعدها الرسالي الافقي، في العلاقة مع الناس في الانفتاح الرسولي والثقافي والانساني على جميع الشعوب.

تبنى تلاميذ مار مارون هذه الروحانية وعاشوها على قمم جبال لبنان او في وديانه جامعين حولهم شعبا دعي باسم مارون. وانتظموا مع مار يوحنا مارون في كنيسة بطريركية كانت مرجعهم وملاذهم وبوصلتهم في شق طريقهم حاملين رسالة مميزة في الشرق كما في الغرب.

واجهوا بصمود وعناد الاضطهادات والحروب والتهجير وقدموا شهداء واعطوا قديسين، محافظين على ثوابتهم الخمسة، وهي:

1- ايمانهم الراسخ بالله ورجاؤهم بالمسيح الذي لا يخيب.

2- حريتهم، المستقاة من حرية ابناء الله، وقد اصبحت من مقدساتهم.

3- تعلقهم بارضهم المقدسة التي اعتبروها عطية من الله ووقفا له، وقد اصبحت واحدة من عناصر هويتهم.

4- انفتاحهم على العالم بحب العلم والثقافة.

5- تكوكبهم حول البطريرك، راس كنيستهم وابيهم وقائدهم الروحي والزمني، ورمز وحدتهم وضمانة وجودهم.

ونجحوا في جعل جبل لبنان معقلا للحريات التي مارسوها مع المضطهدين من شعوب المنطقة، مسيحيين ومسلمين ودروزا، وعاشوا معهم بالتفاهم والاحترام المتبادل، بالرغم من بعض الاحداث الدامية. وكانوا بينهم كالملح والنور يشهدون باعمالهم الصالحة للاب السماوي.

وبدأوا معهم، منذ بداية القرن السادس عشر، بتاسيس الكيان اللبناني والذاتية اللبنانية. وتوجوا مسيرتهم في بداية القرن العشرين، بقيادة البطريرك الياس الحويك، بتاسيس «دولة لبنان الكبير» سنة 1920، دولة المواطنة التي تضع الانتماء الوطني قبل الانتماء الطائفي والحزبي والعائلي، وابرام «الميثاق الوطني» سنة 1943 الذي نظم اسس الحكم في الاعتراف بخصوصيات سبع عشرة جماعة او طائفة في الجمهورية اللبنانية يعيش ابناؤها معا في الحرية والديمقراطية واحترام التعددية.

وقد اعترفت لهم دول العالم وقادتها والكنيسة الجامعة والباباوات بهذه الميزة الفريدة.

وكان الشاهد الاكبر لذلك القديس البابا يوحنا بولس الثاني الذي اكد ان «لبنان هو اكثر من بلد. انه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب».

وجاء بعده البابا فرنسيس ليقول: «نريد ان نؤكد بكل قوتنا ان لبنان هو، ويجب ان يبقى، مشروع سلام. رسالته هي ان يكون ارض تسامح وتعددية، وواحة اخوة تلتقي فيها الاديان والطوائف المختلفة، وتعيش فيها معا جماعات مختلفة، وتفضل الخير العام على المصالح الخاصة».

وجاءنا اخيرا قداسة البابا لاوون الرابع عشر يقول لنا من لبنان: «انتم شعب لا يستسلم، بل يقف امام الصعاب ويعرف دائما ان يولد من جديد بشجاعة». «انتم بلد متنوع، وجماعة مكونة من جماعات، لكن موحد بلغة واحدة غير اللغة العربية اللبنانية، هي لغة الرجاء».

يا ابناء مارون ويوحنا مارون، ويا اخوتنا اللبنانيين،

نحن مدعوون اليوم، فيما نتشارك بمسيرة الصوم هذه السنة، مسيحيين ومسلمين، وهي علامة من الله لعيشنا الواحد، الى وقفة ضمير ومراجعة صريحة وفعل توبة صادق بعد خمسين سنة من الحروب التي دارت على ارضنا والتي خلفت قتلا ودمارا وتشريدا وانحطاطا اخلاقيا وقيميا وتدنيا ثقافيا وتراجعا ديمغرافيا وهجرة متزايدة.

نحن مدعوون الى القيام بعملية تنقية الذاكرة وشفاء جراح الماضي؛ فنجلس معا ونتحاور بصدق ومحبة وصراحة، ونقرا تاريخنا معا بالاصغاء المتبادل، ونقوم بفعل توبة صادق لنطلب المغفرة من الله ومن بعضنا البعض وتكون لنا الجراة لنعترف باخطائنا ونعتذر عن الاساءات التي ارتكبناها بحق الله وبحق بعضنا البعض وبحق وطننا لبنان.

ولنبدا «بنزع السلاح من قلوبنا»، كما طلب منا قداسة البابا لاوون الرابع عشر، ولنعمل معا على «بناء ثقافة المصالحة والسلام» في عائلاتنا وفي مؤسساتنا التربوية وفي مجالسنا، «ونسقط دروع انغلاقاتنا العرقية والسياسية، ونفتح انتماءاتنا الدينية على اللقاءات المتبادلة، ونوقظ في داخلنا حلم لبنان الموحد».

اعطنا يا رب، في عيد مار يوحنا مارون، ان نجدد التزامنا بالدعوة التي دعينا اليها، فنكون ملحا ونورا وخميرة في هذا الشرق المعذب والتائق الى السلام، ونشهد اننا ابناء ابينا الذي في السماوات.

نوايا قداس مار يوحنا مارون

1- «انت بطرس الصخرة، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وابواب الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16: 18)

ايها الاب السماوي، في عيد مار يوحنا مارون، اول بطريرك على الكنيسة المارونية،

نرفع اليك صلاتنا من هذا المكان المقدس، حيث تشهد هامة مار مارون على امانة شعب احبك حتى النهاية، ومن دير كفرحي الذي انطلقت منه مسيرة تثبيت الايمان والحرية.

نسالك من اجل الكنيسة المارونية في لبنان والعالم، ان تحفظها ثابتة على صخرة الايمان القويم، امينة لتراث ابائها، شجاعة في الشهادة للحق، ومتجذرة في القداسة والوحدة.

كما ثبت مار يوحنا مارون في زمن الاضطراب، ثبت ابناء هذه الكنيسة في زمن التحديات، ليكونوا نورا في الظلمة، ورسلا للسلام، وشهودا للرجاء في ارضهم وبلدان الانتشار.

بشفاعة مار يوحنا مارون، جدد فينا روح الانتماء لكنيستنا، والغيرة على قداستها، والامانة لرسالتها الجامعة. نسالك يا رب.

2- «انا الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنا 10: 11)

ايها الرب يسوع، الراعي الصالح،

نحتفل اليوم بعيد مار يوحنا مارون، الذي حمل عصا الرعاية وسط الصعاب، وحفظ القطيع بالايمان والشجاعة والحكمة.

نصلي اليك من اجل جميع المسؤولين الروحيين في كنيستنا:

من اجل ابينا البطريرك والاساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، لتمنحهم روح الحكمة والتمييز، وقلبا متواضعا على مثالك، وغيرة رسولية تشبه غيرة مار يوحنا مارون.

قوهم في رسالتهم، وكن سندا لهم في التجارب، وانر خطاهم ليقودوا شعبك في دروب الحق والقداسة. واجعلهم رعاة بحسب قلبك، يبذلون ذواتهم في الخدمة، ويجمعون ابناءك في وحدة المحبة والايمان.

بشفاعة مار يوحنا مارون، ليثمر تعبهم قداسة في الكنيسة، وسلاما في القلوب، ومجدا لاسمك القدوس. نسالك يا رب.

3- «انتم نور العالم. لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل» (متى 5: 14)

ايها الاب السماوي، في عيد مار يوحنا مارون، ونحن نصلي في هذا المكان المقدس الذي يحمل ذكرى هامة مار مارون، وفي دير كفرحي الذي انطلقت منه خدمة هذا البطريرك القديس، نرفع اليك صلاتنا من اجل لبنان، الوطن الموضوع على جبل، ليبقى نورا في الشرق، ورسالة حرية وتعددية وقداسة، ومن اجل ابنائه ليحفظهم الرب في الايمان الحي، ويثبتهم في الرجاء، ويغمرهم بسلامه.

كما اقمت مار يوحنا مارون راعيا وقائدا في زمن الضيق، اقم في لبنان رجالا ونساء قياديين على مثاله، يحملون الايمان بشجاعة، ويصونون الارض بالامانة، ويبنون المستقبل على اساس الحق والمحبة.

املأ هذه الارض بنعمتك، واحفظها من كل شر، واجعلها دائما ارض قديسين وشهداء.

بشفاعة مار يوحنا مارون، وبركة مار مارون، ثبتنا في الايمان، وجدد فينا روح الرسالة، لنكون نورا يشع في العالم، ومجدا لاسمك القدوس. نسألك يا رب.

وبعد القداس، تقبل المطران خيرالله التهاني بالعيد.