الاحداث- كتبت ليلى خوري
في زمن تختلط فيه الحقيقة بالادعاءات، وتكثر فيه الألقاب التي تُمنح من دون شرعية كنسية أو أخلاقية، يعود اسم جان عبود إلى الواجهة من جديد، لا بصفته رجل دين يحمل رسالة روحية، بل كشخص ارتبط اسمه بسلسلة من القضايا والاتهامات التي طاولت سمعته وسلوكياته، من فرنسا إلى بلجيكا وصولاً إلى لبنان.
فالرجل الذي قدّم نفسه تارةً كـ”رئيس أساقفة”، وطوراً كـ”محامٍ”، ومرات عديدة بصفات كنسية لا تعترف بها أي مرجعية شرعية، بات اليوم محور جدل واسع بعد تداول ما سُمّي “مرسوماً” صادراً عن “بابا كنيسة الوحدة يوحنّا بطرس الأول” يقضي بحلّ المطران إدوار ضاهر من كهنوته وإعادته إلى الحالة المدنية.
لكن السؤال الجوهري يبقى: من هو “بابا كنيسة الوحدة”؟ وما مدى شرعية هذه المؤسسة أصلاً؟
الوقائع الكنسية والقانونية تشير بوضوح إلى أن ما يُعرف بـ”كنيسة الوحدة” ليس كنيسة معترفاً بها من الكنائس الرسولية التقليدية، بل إطار ديني منشَقّ أسسه جان عبود بعد خلافه مع الكنيسة الملكية الكاثوليكية، وخصوصاً بعد قرار حرمانه الكنسي الصادر عام 2015 عن المرجعيات الكنسية الرسمية، وفي مقدمها المطران إدوار جورج ضاهر، مطران طرابلس، والذي ثبّته لاحقاً البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام.
ومن يعرف المطران إدوار ضاهر عن قرب، يدرك أنه من رجال الكنيسة الذين عُرفوا بدماثة الأخلاق، والتواضع، والنزاهة، والالتزام الصارم برسالتهم الروحية والوطنية. فقد شكّل على مدى سنوات نموذجاً لرجل الدين الهادئ والحكيم، البعيد عن الاستعراض الإعلامي أو المصالح الشخصية، والمتمسك بالقيم الكنسية الأصيلة القائمة على الخدمة والمحبة والانضباط. كما أن سمعته بقيت ناصعة داخل الأوساط الكنسية والاجتماعية، حيث يُشهد له بالاستقامة والصدق والحرص على وحدة الكنيسة وهيبتها.
من هنا، فإن أي “مرسوم” يصدر عن جهة غير معترف بها كنسياً لا يحمل أي قيمة قانونية أو روحية داخل الكنيسة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية المشرقية، بل يندرج في إطار البيانات الدعائية التي تحاول إضفاء شرعية على كيان مرفوض من مرجعياته الأصلية.
وفي مقابل هذا المشهد المليء بالالتباسات، يبرز اسم المطران إدوار ضاهر كأحد الوجوه الكنسية المعروفة باتزانها وثباتها في الدفاع عن القوانين الكنسية ووحدة الكنيسة. فالمطران ضاهر لم يدخل يوماً في سجالات شعبوية، ولم يسعَ إلى صناعة ألقاب أو نفوذ شخصي، بل مارس مسؤوليته الرعوية وفق ما تمليه عليه القوانين الكنسية والضمير الكهنوتي.
وقد أظهرت السنوات أن موقفه من جان عبود لم يكن تصفية شخصية أو خلافاً فردياً، بل قراراً كنسياً استند إلى معطيات واضحة تتعلق بالعصيان والانشقاق وادعاء صفات كنسية من دون تفويض شرعي. واليوم، مع توالي التقارير الإعلامية الفرنسية والبلجيكية عن ملفات احتيال وشكاوى قضائية وملاحقات مالية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً للرأي العام.
إن الكنيسة، في جوهرها، ليست مسرحاً للاستعراض ولا مساحة لتضليل المؤمنين عبر الأزياء والألقاب الرنانة. هي رسالة خدمة وتواضع والتزام أخلاقي. وعندما يتحول رجل الدين إلى محور شبهات مالية وقضائية، يفقد تلقائياً صدقيته المعنوية مهما حاول الاحتماء بالشعارات الدينية.
أما المطران إدوار ضاهر، فقد بقي في موقعه الكنسي والوطني شاهداً على خط الاعتدال والانضباط، بعيداً عن الاستعراض والانشقاقات الوهمية. ولذلك، فإن أي محاولة للنيل منه عبر “مراسيم” صادرة عن جهات غير شرعية، لن تغيّر من مكانته شيئاً، بل ستزيد القناعة بأن الكنيسة كانت محقّة يوم اتخذت موقفها الحازم دفاعاً عن هيبتها ووحدتها.