الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية" تقول:اختُتمت مفاوضات اليومَين بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، ببيان لوزارة الخارجية الأميركية، حمل نفحة إيجابية، أوحت من خلالها تمكُّن وفدَي التفاوض اللبناني والإسرائيلي من إحراز تقدّم، تجلّت في الإعلان عن تمديد الهدنة القائمة لمدة 6 أسابيع.
إلّا أنّ سؤالاً بديهياً يرافق هذا التمديد، ويتطلّب إجابة دقيقة حول ما إذا كانت هذه الهدنة تُلبّي مطلب لبنان بوقف إطلاق النار وتثبيته، أو أنّها أفضل الممكن الوصول إليه، أو أنّها شبيهة بالهدنتَين السابقتَين اللتَين حكمتهما هشاشة وانفلات في المواجهات، ما أبقى الميدان الحربي مشتعلاً بين الجيش الإسرائيلي و»حزب الله»، أم أنّها تتصف باختلاف جوهري عنهما، وتتمتّع بقدرة إلزام الجانبَين بها ووقف الأعمال العدائية؟
الخارجية الأميركية
الإجابة عن هذا السؤال، متروكة للأيام، بل ربما للساعات المقبلة التي ستُحدِّد الاتجاه الذي ستسلكه الهدنة، وكيف سيُبنى على ما انتهى إليه يوما المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، ووُصِفت بـ«العالية الإنتاجية»، بحسب ما جاء في بيان الخارجية الأميركية، الذي نصّ على ما يلي:
«في 14 و15 أيار، استضافت الولايات المتحدة يومَين من المحادثات العالية الإنتاجية بين إسرائيل ولبنان، وسيُمدَّد اتفاق وقف الأعمال العدائية المبرَم في 16 نيسان لمدة 45 يوماً لإتاحة المجال أمام تحقيق مزيد من التقدُّم.
وستُعيد وزارة الخارجية الأميركية عقد المسار السياسي للمفاوضات في 2 و3 حزيران. وبالإضافة إلى ذلك، سيُطلَق مسار أمني في البنتاغون بتاريخ 29 أيار بمشاركة وفود عسكرية من البلدَين.
ونأمل أن تُسهم هذه المناقشات في دفع السلام الدائم بين البلدَين، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما ووحدة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على حدودهما المشتركة».
بيان الوفد اللبناني
وأصدر وفد لبنان المفاوض بياناً حول يومَي المفاوضات وما انتهت إليه، جاء فيه: «اختتم الوفد اللبناني يومَين من المفاوضات في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن العاصمة. وأسفرت المفاوضات الثلاثية التي جمعت لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل عن تقدُّم ديبلوماسي ملموس لصالح لبنان. وقد اتفقت الأطراف على تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 45 يوماً إضافية، بما يتيح إطلاق مسار أمني برعاية أميركية في 29 أيار، وتعزيز الزخم السياسي الذي تحقق خلال الأيام الأخيرة».
وعدَّد البيان ما وصفها «أبرز النتائج» وفق ما يلي:
«- تمّ الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، بالتزامن مع تقدّم المسارَين الأمني والسياسي.
- تمّ إطلاق مسار سياسي رسمي، يعكس انخراط لبنان البنّاء ويعزّز فرص التوصُّل إلى حل سلمي دائم. ومن المقرَّر عقد الاجتماع المقبل يومَي 2 و3 حزيران 2026 في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن العاصمة.
- ستعمل الولايات المتحدة بشكل استباقي على تسهيل وتعزيز التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل، عبر مسار أمني من المقرَّر إطلاقه في 29 أيار في البنتاغون بواشنطن.
- التزمت الأطراف بمراجعة التقدُّم المحرَز بهدف تمديد وقف إطلاق النار مجدَّداً، في حال أسفرت مسارات التفاوض عن نتائج إيجابية».
وأشار البيان إلى أنّ «الوفد اللبناني يرحِّب بنتائج اليوم. إنّ تمديد وقف إطلاق النار وإنشاء مسار أمني برعاية أميركية يوفّران مساحة ضرورية لالتقاط الأنفاس لمواطنينا، ويعزّزان مؤسسات الدولة، ويدفعان بمسار سياسي نحو استقرار دائم. وسيواصل لبنان الانخراط بشكل بنّاء في المفاوضات، مع الحفاظ على سيادته وحماية أمن شعبه. ويؤكّد الوفد التزامه الثابت بالتوصُّل إلى اتفاق يُعيد بشكل كامل سيادة لبنان الوطنية ويضمن سلامة وعودة جميع مواطنيه. ويتمثل هدفنا في تحويل الزخم الحالي لوقف إطلاق النار إلى اتفاق شامل ودائم يحفظ كرامة الشعب اللبناني وأمنه ومستقبله».
وعدَّد البيان «المرتكزات الأساسية للموقف اللبناني»، وهي:
«- استعادة السيادة: تتمثل أولوية لبنان القصوى في الاستعادة الكاملة لسلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بما يضمن حماية الحدود وصَون السيادة الوطنية وتأمين سلامة المواطنين.
- عودة النازحين وإعادة الإعمار: يواصل لبنان التزامه بالعودة الآمنة والكريمة للنازحين المدنيّين إلى الجنوب، بدعم من مساعدات اقتصادية فعالة وجهود إعادة إعمار مستدامة.
- الإفراج عن المحتجزين واستعادة الرفات: يواصل لبنان المطالبة بعودة جميع المحتجزين اللبنانيّين واستعادة رفات المتوفّين.
- آلية تحقق مستقلة: لتفادي إخفاقات الترتيبات السابقة، يصرّ لبنان على اعتماد عملية تنفيذ تدريجية وقابلة للتحقق، بدعم من الولايات المتحدة، لضمان تنفيذ جميع الالتزامات من دون المساس بالسيادة اللبنانية».
وختم البيان: «إنّ لبنان يتفاوض من أجل مستقبل تُحترم فيه حدوده، وتُصان سيادته حصرياً عبر الجيش اللبناني، ويتمكّن شعبه من العيش بأمن وسلام دائمَين».
واشنطن: اتفاق سلام
وفي السياق عينه، نُقِل عن مسؤول أميركي قوله، إنّ «واشنطن تنظر إلى المفاوضات بأمل كبير جداً في أن تُفضي إلى اتفاق سلام شامل بين لبنان وإسرائيل يؤسِّس لعلاقات طبيعية بينهما». لافتاً إلى أنّ الولايات المتحدة تعمل على تهيئة المناخات الملائمة لذلك. وأشار إلى «أنّ مصلحة لبنان وإسرائيل مشتركة في الخلاص من «حزب الله»، ونحن جميعاً نتشارك التقدير في أنّ الضرورة لا توجب حصر سلاح «حزب الله» فقط، بل «حصد» هذا السلاح بصورة كاملة، وواشنطن معنية بتقديم كل دعم في هذا المجال، إلى جانب التزامها الأكيد والقوي بإنجاح المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، باعتبارها فرصة تاريخية وعظيمة للجانبَين للوصول لعقد سلام دائم بينهما، وتحرير لبنان من النفوذ الإيراني».
رصد المسارَين
وكان الداخل اللبناني، بكل مستوياته، قد وزّع رصده في اتجاهَين، الأول المسار السياسي ومجريات جولة المفاوضات في واشنطن، آملاً أن يتصاعد منها الدخان الأبيض، والثاني المسار العسكري الذي زامن المفاوضات برفع وتيرة التصعيد والمواجهات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي و»حزب الله». إذ أوحت كثافة الغارات الإسرائيلية على مناطق مختلفة جنوب وشمال الليطاني في الجنوب والبقاع الغربي، والعمليات الصاروخية والمسيّرة لـ«حزب الله» ضدّ المستوطنات ومواقع وتجمّعات الجيش الإسرائيلي في الجنوب وداخل المستوطنات، وكأنّ الميدان العسكري على وشك الانطلاق من جديد إلى مرحلة حربيّة أكثر قساوة وشمولية.
على المستوى الأمني، صورة ميدانية، أقرب إلى مراوحة تحت النار، بمجريات حربية عنيفة تُستَنسخ نفسها يومياً على مسرح الحرب المستمرة منذ آذار الماضي، بغارات إسرائيلية عنيفة على مختلف المناطق اللبنانية جنوب الليطاني وشماله، واغتيالات يومية وإنذارات بإخلاءات للقرى والبلدات، واحتلال مسيَّر للأجواء اللبنانية على طول المنطقة الجنوبية وصولاً إلى البقاع والضاحية الجنوبية وبيروت، وحديث يومي عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى. توازيها استهدافات صاروخية مكثفة وبالمحلّقات، يقوم بها «حزب الله» لتجمُّعات وقواعد الجيش الإسرائيلي ومستوطنات الشمال، يرفقها بإعلانات متتالية عن تحقيق إصابات وإيقاع قتلى وجرحى إسرائيليين. (إشارة هنا إلى أنّ يوم أمس، كان ذروة في العنف، حيث تكثفت الاستهدافات والهجمات الجوية الإسرائيلية على البنى السكنية في العديد من البلدات الجنوبية، فيما شنّ «حزب الله» سلسلة هجمات صاروخية على المواقع العسكرية الإسرائيلية وعمق المستوطنات القريبة والبعيدة عن خط الحدود).
وأمّا على المستوى السياسي، فشحّ المعلومات حول النقاشات، وما يُعرَض من طروحات وأفكار خلف جدران المفاوضات التي أحاطها الراعي الأميركي بأعلى قدر من السرّية، أوحى بحال من الإرباك العام، فاقمته تسريبات، أو بمعنى أدق ترويجات وتقديرات وهمية وفرضيات خاطئة أو وهمية وغير مبنية على أسس صلبة، استبقت نتائج المفاوضات برسم سيناريوهات مختلقة للمرحلة المقبلة. وقسّمت الداخل اللبناني بين جناح متفائل بأنّ المفاوضات ستفضي إلى إيجابيات تعجِّل في إنهاء الحرب، عبر إبرام تفاهمات أو اتفاق أو ترتيبات أمنية بين لبنان وإسرائيل. وجناح متشائم، تعتريه خشية بالغة من أن تتأتى عمّا ستفضي عنه المفاوضات ارتدادات صعبة على الداخل اللبناني.
ترقّب رسمي
وعلى مستوى التواصل الرسمي، ففي موازاة المواكبة الحثيثة للمفاوضات، أفيد بأنّ خط التواصل بقي مفتوحاً بين القصر الجمهوري ومقر رئاسة المجلس النيابي في عين التينة، فيما أحدثت تسريبات وترويجات عن خطة إسرائيلية مطروحة في المفاوضات لبناء شراكة بين الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني لنزع سلاح «حزب الله»، إرباكاً.
وفيما وصف مصدر رسمي عبر «الجمهورية» هذه التسريبات بأنّها «غير واقعية لا بل هي مشبوهة، القصد منها التشويش على المفاوض اللبناني»، أكّد مسؤول كبير لـ«الجمهورية»: «لبنان ذهب إلى المفاوضات على أساس الوصول إلى وقف لإطلاق النار وتثبيته ضمن سلة متكاملة؛ الانسحاب الإسرائيلي، إطلاق الأسرى، عودة النازحين والإعمار، والأساس فيها بسط الدولة سلطتها كاملة عبر الجيش اللبناني على كامل منطقة جنوب الليطاني. وبالتالي يجب ألّا نستعجل إطلاق الأحكام قبل انتهاء المفاوضات وما سيصدر عنها».
ولفت إلى أنّ ما يجب أن نركّز انتباهنا عليه هو أنّ كل ما يصدر من إسرائيل يؤكّد أنّها ماضية في عدوانها، ولاسيما ما يصدر عن المستويات الأمنية والعسكرية عن استمرار في الحرب حتى إنهاء «حزب الله»، كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ومثل هذا الكلام قاله رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض. بالإضافة إلى ما هو أخطر من كل ذلك، وفق ما عبّر عنه الوزير الإسرائيلي المتطرِّف إيتامار بنغفير اليوم تحديداً (أمس)، مشيراً إلى أنّ «لدينا خطة للاستيطان في لبنان». ملوِّحاً بـ«عدم الرضوخ للضغوط».
قلق من تصعيد
يتقاطع ذلك، مع تخوّف عبّر عنه مسؤول وسطي بقوله لـ«الجمهورية»، إنّه «مع نتنياهو لا أرى نهاية للحرب أو لحروبه، في المدى المنظور. فوقف الحرب معناه نهاية نتنياهو، ذلك أنّ كل الأهداف التي رفعها لحروبه مع «حماس» ثم مع إيران و«حزب الله»، لم يحقق منها شيئاً، ولذلك ما أخشاه هو مغامرة جديدة قد يلجأ إليها في هذه المرحلة، لا أقول ذلك من عندياتي فقط، وبناءً لما يستخلص من قراءة الأحداث، بل أدعّم تقديري هذا بما تتداول به مستويات سياسية في إسرائيل، من تحذيرات بأنّ إسرائيل تمرّ في مرحلة تحضير لانتخابات الكنيست، ونتنياهو قد يهرب من أزماته وفشل حروبه إلى الأمام بتصعيد كبير لأغراض انتخابية، وجبهة لبنان هي الأقرب على هذا الصعيد».
سلام
في سياق متصل، صرّح رئيس الحكومة نواف سلام خلال «عشاء جمعية المقاصد»، أمس: «إنّ أي إنقاذ فعلي للبنان اليوم يستحيل أن يتمّ من دون العودة الواضحة إلى منطق الدولة تكون سيّدة قرارها». وشدَّد على أنّ «الدولة لا تقوم إلّا بقرار وطني واحد هو قرار مؤسساتها الدستورية، وسلاح واحد هو سلاح جيشها الوطني، وقانون واحد».
واعتبر «أنّ المغامرات العبثية في خدمة مشاريع ومصالح أجنبية، وآخرها حرب لم نخترها بل فُرضت علينا، أدّت إلى احتلال إسرائيل 68 بلدة وقرية وموقعاً، بعدما كنّا نسعى لإخراجها من خمس نقاط». وأضاف: «بعد كل هذا، مع ما حمله من قتل ودمار ونزوح ومآسٍ، يطلع علينا مَن يحاول أن يستخف بعقولنا ويسمّي ذلك انتصارات».
ودعا إلى «وقف التحريض والتخوين. هذا الأمر لن يرهبنا، فنحن ثابتون على خياراتنا الوطنية وأقوياء بدعم غالبية اللبنانيّين لها».
وكان سلام، قد قام نهاراً بزيارة هي الثانية في غضون أيام قليلة لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، فبحثا تطوُّرات الأوضاع العامة والمستجدات السياسية والميدانية «في ضوء مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان، وخصوصاً على الجنوب والبقاع الغربي وخرقها لوقف إطلاق النار».