Search Icon

المفهوم القانوني لإعتبار المعتمد الدبلوماسي غير مرغوب فيه

منذ ساعة

من الصحف

المفهوم القانوني لإعتبار المعتمد الدبلوماسي غير مرغوب فيه

الاخداث- كتب السفير د. جان معكرون في صحيفة اللواء يقول:"نصّت المادة 9 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 «على أنه يجوز للدولة المعتمد لديها في جميع الأوقات ودون بيان أسباب قرارها أن تعلن للدولة المعْتمِدة أن رئيس البعثة أو أي موظف دبلوماسي فيها شخصاً غير مرغوب فيه أو أن أي موظف آخر فيها غير مقبول. وفي هذه الحالة تقوم الدولة المعتمِدة، حسب الإقتضاء، إما باستدعاء الشخص المعني أو بإنهاء خدمته في البعثة...»

يتّضح ممّا تقدّم أن الدولة المعتمد لديها تتمتّع بسلطة استنسابية في اعتبار أي معتمد دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه من دون تبرير أو تعليل قرارها هذا.

 

• ما هي أسباب اعتبار المعتمد الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه ؟

يمكن استنتاج هذه الأسباب من المادة 41 و 42 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والتي نصّت على واجبات المعتمدين الدبلوماسيين المتمتّعين بالحصانات والإمتيازات بحيث يُعتبر الإخلال بها حجّة تجيز للدولة المعتمد لديها اعتبار من أخلّ بها شخصاً غير مرغوب فيه وهي الآتية:

•عدم إخلال المعتمد الدبلوماسي بالإمتيازات والحصانات الممنوحة له.

• احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها.

• عدم التدخّل في شؤونها الداخلية.

• التعامل مع الدولة المعتمد لديها بشأن الأعمال الرسمية من خلال وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها أو عن طريقها أو أيّة وزارة أخرى قد يُتفق عليها.

• عدم استخدام دار البعثة بأية طريقة تتنافى مع وظائف البعثة كما هي مبيّنة في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية أو في أية اتفاقات خاصة نافذة بين الدولة المعتمِدة والدولة المعتمدة لديها أو في غيرها من قواعد القانون الدولي العام.

•عدم ممارسة المبعوث الدبلوماسي في الدولة المعتمد لديها نشاط مهني أو تجاري لمصلحته الشخصية.

وهكذا يتحصّل لنا أنه في حال اعتبار المعتمد الدبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه عليه أن يغادر الدولة المعتمد لديها ضمن المهلة المحدّدة له أو تعمد الدولة المعتمِدة إلى استدعائه بالسرعة المرجوة وفي حال التمنّع فإنه يترتّب على الدولة المعتمد لديها عدم الاعتراف به فرداً في البعثة. وهذا ما أوضحته المادة 43 من اتفاقية فيينا عندما أدرجت في خانة حالات انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي حالة رفض الدولة المعتمد لديها الإعتراف بالمبعوث الدبلوماسي فرداً في البعثة لدى الإعلان عنه شخصاً غير مرغوب فيه.

• ماذا لو رفض المعتمد الدبلوماسي غير المرغوب فيه مغادرة الدولة المعتمد لديها أو تمنّعت الدولة المعتمِدة عن استدعائه؟

في هكذا حالة تسقط عن الشخص غير المرغوب فيه الحصانات والإمتيازات وعلى الأخصّ الحرمة الشخصية والتي تتيح للدولة المعتمدة أن تعتقل شخص المبعوث الدبلوماسي وتطرده وذلك طبقاً لما ورد في كتاب « الدبلوماسية « للدكتور علي حسين الشامي نقلاً عن الفقيه الفرنسي في مجال القانون الدولي العام Philippe Cahier.

 

وتجب الإشارة في هذا السياق إلى أنه من المناسب والأفضل أن تُعالج قضيّة إعتبار المعتمد القنصلي شخصاً غير مرغوب فيه بهدوء بين الدولتين ومن دون ضجّة إعلامية طبقاً لمبدأ الكياسة الدبلوماسية بمعنى أن يغادر الدبلوماسي صاحب العلاقة بالشكل الذي يُظهره وكأنه يغادر قبل انتهاء فترة اعتماده بناء على استدعائه من قبل إدارته ولقد تحدّث عن هذا الإخراج الأكثر ملائمة المرجع الدبلوماسي المعروف:

Satows Guide to Diplomatic Practice « if both states agree, the matter may be handled so quietly that it does not become public knowledge at all that the diplomat concerned has left before the expiry of his normal tour of duty «.

 

لا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أن التاريخ حافل بالأمثلة على العديد من حالات الإعلان عن معتمدين دبلوماسيين غير مرغوب فيهم سواء كان قبل إقرار معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 أو بعد هذا التاريخ.

ونذكر على سبيل المثال:

• إعلان مصر عام 1976 سفير ليبيا شخصاً غير مرغوب فيه بسبب توزيعه مناشير معادية لنظام الرئيس السادات. وفي العام نفسه أعلنت دول الدانمارك وفنلندا والنروج أن دبلوماسيين من كوريا الشمالية غير مرغوب فيهم بسبب إتجارهم بالمخدّرات والتّبغ والكحول بطريقة غير شرعية. وفي العام 1905 أعلنت دولة فنزويلا الوزير المفوّض الفرنسي شخصاً غير مرغوب فيه بسبب إعتراضه على إغلاق الحكومة الفنزويلية مكاتب شركة الكابل الفرنسي في كاراكاس بحجة اعتبار هذا التدبير انتهاكاً لحقوق الشركة التجارية.

• من يتخّذ القرار باعتبار المعتمد الدبلوماسي غير مرغوب فيه؟

 

من الواضح والمنطقي أن وزير الخارجية يقترح اتخاذ هذا الإجراء على رئيس الجمهورية لأن المادة 66 من الدستور نصّت على أن يتولّى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويُناط بهم تطبيق القوانين والأنظمة كل بما يتعلّق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خصّ بها. كما نصّ الدستور في المادة 53 فقرة 7 على أن يعتمد رئيس الجمهورية السفراء ويقبل اعتمادهم. وحيث أنه يتمتّع بحق الإعتماد والقبول فإنه من باب أولى أن يتمتّع أيضاً بحق رفض هذا الإعتماد عند الإقتضاء. ونذكر هنا أيضاً أنه من المنطقي أن يوافق رئيس مجلس الوزراء على هكذا قرار لأنه بحسب المادة 64 من الدستور يرأس الحكومة ويمثّلها ويتابع أعمال الإدارات والمؤسسات العامة وينسّق بين الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل. 

لقد آثرتُ في هذا البحث عدم التطرّق إلى الناحية السياسية في معالجة هذا الموضوع لكي يكون موضوعياً وقانونياً. ولكن رُبّ سائل يسأل كم من سفير معتمد تدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية أو سمحت له السلطات المختصّة بهذا التدخّل وغضّت النظر عنه مما يتعارض مع السيادة الوطنية والمواثيق الدولية. والحق يُقال أن المشكلة تكمن في كيان لبنان، هذه الدولة الصغيرة وغير القويّة وأن قدر كل دولة صغيرة أن تدفع هذه الضريبة الكبيرة من رصيد سيادتها لأنها ليست منيعة بحكم تكوينها الاجتماعي على تدخّل الدول الكبرى في شؤونها الداخلية وليست في مأمن منها. ولقد أسهب الكاتب والصحفي البريطاني David Hisrt في التحدّث عن لبنان بأنه دولة مجزّئة أو مفتّتة بفعل تعدّد طوائف مجتمعاتها مضيفاً أن هذا البلد مُصمّم ليكون ساحة معركة أبدية للصراعات السياسية والإستراتيجيّة والأيديولوجية للآخرين.

Lebanon, it seems, was almost designed to be the everlasting battle ground for other's political strategic and ideological conflicts.

 

(*) دكتور في القانون العام