الاحداث- كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول:"للعراق في الذاكرة الجماعية للشيعة في لبنان وقع تاريخ مبهج، فزيارة مراقد الأئمة المدفونين في ثراه والبالغ عددهم 7 من أصل 12 إماماً، من الواجبات الدينية التي لا تكتمل إلا بمراسم حج إلى مكة والمدينة في السعودية وبزيارة المقامات المقدسة في الأراضي العراقية.
لكن مع موجة النزوح الحالية الواسعة لهؤلاء إلى العراق التي بدأت منذ مطلع الشهر الجاري، ثمة وقع آخر مأساوي وتفسيرات تنطوي على الريبة وتبعث على الخشية مما هو مُحتمَل.
معلوم أن الشيعي يرتبط روحياً ببلاد الرافدين، لذا فمبجرد أن أعلنت السلطات الرسمية في بغداد فتح العراق أبوابه لاستقبال النازحين اللبنانيين، حتى شدّ قسم لا يُستهان بعدده من هؤلاء الرحال إلى هناك، يشجعهم على أخذ قرار الهجرة عوامل جذب وإغراء عدة أبرزها:
- أن المرجعية الدينية العليا في النجف الممثَّلة بالمرجع الأعلى للشيعة في العالم السيد علي السيستاني بكّرت في إصدار فتوى قاطعة تحضّ على دعم الشيعة في لبنان.
وبناءً على ذلك، وفيما كانت ثمة صعوبات تحول دون إيصال قوافل الإغاثة الرسمية العراقية للنازحين من مناطق الحرب والتوتر إلى أماكن الإيواء في الداخل اللبناني، كان الأيسر والأضمن والأسرع تسهيل أمر وصول هؤلاء النازحين إلى الرحاب العراقية عبر:
- تأمين باصات ووسائل نقل حديثة ومريحة للانتقال الآمن إلى الديار العراقية.
- تسهيل إجراءات دخول النازحين عبر المعابر الحدودية العراقية مع سوريا.
- وما إن يصل هؤلاء إلى العراق حتى يجدوا فِرَقاً مهمّتها استقبالهم والإشراف على توزيعهم وإيصالهم إلى حيث يستقرون في بيوت ضيافة أو في فنادق أو حسينيات مخصّصة لاستقبال الزوار.
وهكذا، وخلال فترة الشهر التي انقضت على بدء الهجوم الإسرائيلي، احتضنت الأراضي العراقية ما يُقدَّر بما بين 35 إلى أربعين ألف نازح لبناني، حذّرت السلطات العراقية من إطلاق صفة نازح أو لاجئ عليهم، بل فرضت التعامل معهم بمسمّى "ضيوف العراق" وأعفتهم من أيّ رسوم دخول أو إقامة.
ولكن مع كل هذه الإجراءت الميسّرة، ثمة في أوساط أولئك النازحين من يساوره قلق وخشية تتمحور حول ماذا بعد؟ واستطراداً ما الأدهى المنتظر؟ واستتباعاً لماذا فتح العراق أبوابه على هذا النحو فجأة؟
مبعث الخشية يتأتّى من أن النازح الشيعي قد تناهى إلى علمه أن إسرائيل تنفّذ عملية تدمير منهجي لكل قرى الحافة الأمامية، حيث إن هناك 5 بلدات منه قد سُوّيت مبانيها بالأرض تماماً على نحو يحول دون العودة إليها نهائياً.
ولا ريب أيضاً في أن هؤلاء قد سمعوا عن إعلانات انتشرت في الداخل الإسرائيلي تدعو الإسرائيليين إلى الحجز المبكر على أبنية ستُبنى في مناطق الجنوب اللبناني القريبة من الحدود.
وهكذا، فإن الشيعي المهجّر إلى العراق مستقر بجوار المراقد المقدسة عنده، يحتفظ في نفسه بكمٍّ من القلق على مصير الأرض التي نزح منها لتوّه قسراً تحت وطأة حمم الموت الإسرائيلية.
إنها إذن "التغريبة" التي يعيشها قسم لا بأس به من الشيعة في لبنان الذين طالما سمعوا أن ثمة في الماضي من تحدّث بأن عليهم الانتقال إلى ذاك البلد، وهم يجدون مستقراً آمناً نسبياً في بلاد الرافدين، لكنهم قلقون على موطنهم الأصلي ويساورهم قلق من أن يطول استقرارهم كما حصل للفلسطينيين الذين وفدوا إليهم قبل 76 عاماً بصفة لاجئين مؤقتين.