الاحداث- كتبت فتات عياد في صحيفة نداء الوطن تقول:"صحيح أن البعض عاد بالذاكرة بعد حريق مستودعات وزارة الاتصالات في الدكوانة إلى انفجار مرفأ بيروت عام 2020 نظرًا إلى ضخامة حريق الدكوانة والشكوك بافتعاله، لكن محطة أخرى غير بعيدة، تستحق التوقف، هي العام 2023، وتحديدًا يوم سرقة أرشيف وزارة الإعلام، التي لم يصل التحقيق فيها إلى نتيجة لليوم، ليشكّل حريق مستودعات الدكوانة جزءًا من مسار أحداث انفجارات وحرائق وسرقات تتكرر في مرافق رسمية تضم ممتلكات عامة ووثائق ومواد خطرة، بما يوحي بأن الوزارات والإدارات العامة في لبنان تُدار فعلا على قاعدة "وكالة من دون بوّاب"!
فكيف تُدار مستودعات الدولة التي تضم معدات ومواد حساسة ووثائق وأصولا بملايين الدولارات، وماذا عن استيفاء الوزارات والإدارات العامة معايير السلامة العامة؟
توقيت الحريق المريب "قبل الجردة"
واندلع الحريق الضخم، الذي استغرق إطفاؤه وقتًا طويلا، في أرض تعود ملكيتها لوزارة الاتصالات، تضم مستودعًا لأوجيرو يحتوي على كابلات اتصالات وتجهيزات ووثائق وأرشيفًا ومعدات تقنية. وكان لافتًا توقيت الحريق، إذ طلب وزير الاتصالات شارل الحاج جردة على المستودعات التابعة للوزارة في منطقة الدكوانة، وجاء الحريق قبل الجردة بأيام.
وصحيح أن الحاج أكد أننا "سنتخذ كلّ الإجراءات لعدم تكرار حريق الدكوانة، ومن المبكر الحديث عمّا إذا كان الحريق في المستودعات مفتعلا، وأدعو إلى عدم استباق التحقيقات"، وأن تحقيقات بدأت أيضًا على مستوى الأجهزة الأمنية، لكن السؤال يبقى: هل تصل التحقيقات إلى خواتيم في بلد تعطلت فيه العدالة بجريمة العصر، ومضى فيه على انفجار 4 آب الذي أوقع مئات الضحايا، ودمّر مساحة تُقدّر بقرابة ثلث العاصمة، 6 أعوام، وما زلنا ننتظر القرار الظني؟
فرضيتان محتملتان... وفرضية ثابتة!
مصادر أمنية تلفت، في حديثها لـ"نداء الوطن"، إلى أن "الحرائق هي من أصعب الملفات على صعيد التحقيقات، فهناك بصمات وDNA تتم خسارتها في مسرح الجريمة، ما يصعّب التحقيق وتقصي أسباب الحريق".
وبالعودة إلى الفرضيات، نعود إلى المحاكاة: ففي انفجار المرفأ تعرية لسلطة يصل إهمالها وفسادها حدّ المخاطرة بتفجير العاصمة بيروت بأهلها لصالح من خزّنوا نيترات الأمونيوم في المرفأ. وفي سرقة أرشيف وزارة الإعلام، تتعرى دولة تفرّط بوثائقها وأرشيفها.
أما اللافت في حريق الدكوانة، فهو أن فرضياته قد تجمع بين طمس جريمة سرقة كابلات فايبر الأوبتيك لصالح "حزب الله"، إن صحت، أي حرق مسرح الجريمة لإخفائه، وهو ما تثبته التحقيقات أو تدحضه إن توصلت إلى خاتمة، وبين فرضية عملية سرقة أو تلف وثائق قد يكون جرى التخلص منها قبل الجردة، أيضًا بهدف إخفاء فساد وسرقات وهدر، أو معلومات لا تناسب المتسببين بالحريق، أو ربما الفرضيتان معًا.
لكن حتى لو سقطت هاتان الفرضيتان، كلتاهما، وعلى افتراض أن السبب كان ماسًا كهربائيًا، أو أي سبب آخر، فيبقى الثابت أن معايير السلامة العامة لم تكن مطبّقة في مستودع وزارة الاتصالات في الدكوانة!
الوزارات لا تطبق معايير السلامة العامة
تؤكد مصادر متخصصة في السلامة العامة، في حديثها لـ"نداء الوطن"، أن الهدف الأول من تطبيق معايير السلامة العامة في الوزارات والإدارات العامة وحتى الشركات الكبرى، هو حماية الأشخاص الموجودين داخل المؤسسة، سواء كانوا موظفين أو زوارًا، إضافة إلى حماية الممتلكات والمواد المخزنة، ولا سيما القابلة للاشتعال، وصولا إلى حماية المنشأة نفسها.
وبالتالي، يفترض بأي إدارة رسمية أو مؤسسة، حتى لو لم تكن تخزن مواد كيميائية خطرة، أن تكون مجهزة بأنظمة إنذار مبكر مزودة بحساسات للدخان والحرارة، وأنظمة إطفاء أوتوماتيكية، ومطافئ يدوية، مع تدريب الموظفين دوريًا على استخدام وسائل الإطفاء، وآليات الإخلاء، ونقاط التجمع المحددة في حال وقوع حريق، مسبقًا.
أما على صعيد التخزين، فتشدد المصادر على ضرورة فصل المواد القابلة للاشتعال عن مصادر الحرارة، وعدم تخزين كميات كبيرة في مكان واحد، مع وضع إشارات تحذيرية واضحة، وإجراء جولات تفتيش دورية أو أسبوعية أو شهرية لرصد أي مصدر خطر قبل تحوله إلى كارثة.
وتلفت المصادر إلى أن هذه المعايير لا تقتصر على الوزارات، بل تُفرض حتى على مواقف السيارات الحديثة في الطوابق السفلية، التي تُلزم بأنظمة إنذار وإطفاء صارمة.
وكالة من دون بوّاب... من يحمي الإدارات العامة؟
لكن الحديث عن أن الوزارات في لبنان "وكالة من دون بوّاب" ليس مجازيًا بل حرفي، وهذه أمّ الفضائح على مستوى الأمن والسلامة العامة.
في السياق، تتساءل مصادر أمنية: "كيف لعدد من الوزارات والإدارات الرسمية أن تبقى عمليًا من دون حراسة ثابتة بعد انتهاء الدوام الرسمي، ومنها مبانٍ تابعة لوزارات الاتصالات والطاقة والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى عدد من الإدارات العامة؟".
في المقابل، تتمتّع وزارات ذات طبيعة أمنية أو قضائية بحماية دائمة، كوزارة الدفاع التي يحرسها الجيش اللبناني، ووزارة الداخلية التي تتولى قوى الأمن الداخلي حمايتها، ووزارة العدل نظرًا إلى وجود الجسم القضائي فيها، ووزارة الخارجية بحكم طبيعة عملها الدبلوماسية.
وتطرح المصادر سؤالا أساسيًا: إذا كانت الدولة عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الحماية لمرافقها الحساسة، فكيف تؤمّن سلامة مستودعات تضم تجهيزات استراتيجية ووثائق رسمية؟ غامزة من قناة "توفير عدد كبير من العناصر الأمنية لحماية الشخصيات، فيما تبقى مؤسسات الدولة نفسها أقل حماية، رغم ما تحتويه من أصول ووثائق ومرافق يفترض أن تشكل جزءًا من الأمن الوطني".
هشاشة منظومة السلامة العامة
وقد تكشف التحقيقات سبب حريق الدكوانة، وقد لا تكشفه مطلقًا. لكن ما كشفه الحريق منذ اللحظة الأولى هو هشاشة منظومة السلامة العامة داخل عدد من مرافق الدولة، وغياب الحماية عن مستودعات يفترض أنها جزء من الأمن الإداري والوطني في لبنان. فهل تتعلم الدولة من كوارثها، أم أن كل كارثة تتحول إلى ملف جديد يُضاف إلى "أرشيف" إهمالها؟