الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن يقول:"يعيش رئيس مجلس النواب نبيه برّي أصعب مراحله السياسيّة. فالرجل، الذي عايش الحرب وصنع الصحوة الشيعيّة وكان دائمًا صاحب ابتكار المخارج، يبدو مكبّلًا، لا يستطيع فعل شيء بعد هبوب رياح الحرب الإقليمية ودخولها إلى عمق البيت الذي بناه.
إنّ من يلتقي الرئيس برّي في هذه الأيام يعرف أن ما يُصرّح به غير ما يتناوله في الصالونات الضيّقة أو ما يراه. الرجل من أذكى السياسيّين في هذه المرحلة، ويعرف ربّما أكثر من غيره ما سيحلّ بالبلد وبالطائفة الشيعيّة. أكثر شيء يؤلم برّي هو مشهد الدمار والخراب في الجنوب، لقد سخّر رئيس حركة "أمل" معظم موارد الدولة لخدمة الجنوب وكان صاحب شعار "عالسكين يا بطّيخ"، وفجأة بقرار من "حزب اللّه" لإسناد غزة ومن ثمّ ثأرًا للمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي وإسنادًا لطهران، دخل الجنوب في حرب مدمّرة قضت على الحجر وهجّرت البشر.
ويعتبر موضوع المهجّرين والذين من الصعب عودتهم في هذه الفترة من أكثر المواضيع التي تقلق برّي، المشكلة ليست في إعادة الإعمار فقط، بل الأخطر هل سيعود أبناء القرى المهجّرة إلى قراهم؟ وإذا سُمح لهم بالعودة فمتى ستحصل هذه العودة، ومن سيموّل إعادة الإعمار في ظلّ سياسة "حزب اللّه" التي نصبت العداء لكلّ الدول العربية وحاولت زعزعة أمنها واستقرارها خدمةً للمشروع الإيراني؟
دخل "الحزب" حرب الثأر لخامنئي وأقحم الطائفة الشيعية في أتون النفق الأسود، جنّ جنون برّي، لكنه لا يستطيع التعبير، همّه وحدة الصفّ الشيعيّ، وأيّ صدام داخلي سيضعف الموقف أكثر. ولا تروق له رؤية بعض من جماهير "أمل" تسير بشعبوية "الحزب" وإيران، لكنه غير قادر على فعل شيء لأن التجييش أكبر من الواقعية، والاحتلال الإيراني للفكر الشيعي بات خطيرًا.
وإذا كان الواقع الميداني يذهب في اتجاه تسجيل خسارة تاريخية للشيعة بفعل سياسة "حزب اللّه"، يحاول برّي قدر الإمكان معالجة الوضع بالسياسة. لا يستطيع الرجل المجاهرة بدعم التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكن بات الجميع على علم بأن الدولة اللبنانية تسير بالمفاوضات وبرّي موافق على كلّ شيء. رئيس الجمهورية جوزاف عون يضعه بكل شاردة وواردة مهما حاول برّي الإنكار، فما يقوله بالعلن مغاير تمامًا لما يحصل بالاتصالات المغلقة، ومهما حاول التبرّؤ من كأس التفاوض، إلّا أن شرط الهدنة قبل الولوج بالمفاوضات كان برّي عرّابه، ورفض التفاوض تحت النار، هو من أراده، وهكذا حصل.
لا يستطيع برّي القول إنه غير موافق على التفاوض، فهو محرج إلى أقصى حدود، في العلن يردّد المعزوفة ذاتها، وفي السرّ يدعم خطوات عون والحكومة اللبنانية، وبالتالي كلّ المفاوضات التي تحصل في واشنطن يعلم بها، ولو كان فعلًا غير موافق لكان استقال من الحكومة وخرج منها لأنه غطّى قرارات الحكومة التي اعتبرت "حزب اللّه" منظمة خارجة عن القانون ولم يصوّت ضدّ إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح.
يقف برّي بين مطرقة الحرب والدمار والموقف الداخلي والخارجي الرافض سلوك "حزب اللّه" وإيران، وبين سندان "الحزب" الذي يخوض حربًا انتحارية يضحّي بالطائفة الشيعية من خلالها، ولا يتجرّأ حتى هذه اللحظة على قول ما يريده قسم من الطائفة الشيعية الذي يرفض سياسات "الحزب" ونهج إيران، ويحاول استيعاب كلّ ما يحدث لأنه لا يريد أن تهدأ الحرب مع إسرائيل لتنفجر في الداخل.
يعرف برّي خطورة الوضع، وقد أرسل معاونه النائب علي حسن خليل إلى السعودية وزاره السفير الأميركي ميشال عيسى، وهو يعلم أن طوق النجاة الوحيد الذهاب نحو المفاوضات المباشرة وإلّا ستستمرّ الحرب، وبالتالي الرجل الذي كان من المفترض أن يتقاعد، ها هو اليوم يخوض أخطر المعارك وتقارب المعركة الوجودية، فهل سيخرج منها منتصرًا؟