Search Icon

بلومبرغ تضمن الشفافية، فقط

منذ سنتين

من الصحف

بلومبرغ تضمن الشفافية، فقط

الاحداث- كتب غسان عياش في صحيفة النهار يقول:"على الواحد منا أن يجتهد كثيراً، ويبذل مجهوداً ذهنياً كبيراً لكي يفهم أو يحيط بمالية الدولة ال#لبنانية وأوضاعها. 

المالية العامّة في لبنان ليست متعثّرة ومتردّية وحسب بل هي تعصى على الفهم إذا حاول الباحث قياسها بالمقاييس العصرية البسيطة التي تعتمد في تحليل موازنات الدول. فهو كلما طرح سؤالاً عن الموضوع تنهال عليه عشرات الأسئلة الجديدة.

لأسباب تقنية بديهية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ليس سهلاً أن تعرف مسار الموازنة في لبنان عن طريق مقارنة موازنة سنة معيّنة بموازنات السنوات السابقة أو بمقارنتها بموازنات غيرها من الدول، بما في ذلك البلدان المتخلّفة. ضبابية وعدم صدقية الأرقام في لبنان سبب جوهري لهذا الضياع. ولعل أهمّ سبب يحول دون تكوين صورة حقيقية عن أوضاع مالية الدولة هو بناء الأرقام، غير الموثوقة، على سعر صرف، رسمي وهمي، يختلف كثيراً عن سعر السوق.

الموازنة، من حيث المبدأ، وثيقة الصلة بالزمن. فهي مجموعة تقديرات للإيرادات والنفقات خلال سنة محدّدة، يفترض أنها سنة قادمة وليست، بالطبع، سنة ماضية. أما الموازنة في لبنان فقد أصبحت خارج الزمن. موازنة العام الجاري 2023 تطرق الآن، كما يقال، باب رئيس مجلس النوّاب لكي يحيلها كما هو مفروض إلى الهيئة العامّة لمجلس النوّاب لكي تناقشها وتصوّت عليها، ويا للغرابة، قبل ثلاثة أشهر من نهاية سنة الموازنة. أي إن مجلس النوّاب، بخلاف قواعد المالية العامّة، سيصوّت على موازنة للماضي لا على موازنة للمستقبل.

وفي ظاهرة نادرة تشبه اقتراب الكواكب بعضها من بعض، يتزامن تحويل موازنة العام الجاري إلى مجلس النوّاب مع وصول موازنة العام المقبل إلى مجلس الوزراء لقراءتها وتعديلها قبل إحالتها إلى لجنة المال والموازنة لتدخل في مسار طويل من الجدل، مع أن الفارق الزمني المعتاد بين هذا التحويل وذاك هو عادة سنة كاملة.

خبر مهمّ برز في الإعلام مطلع هذا الأسبوع جاء من المملكة العربية #السعودية حيث أعلن الحاكم بالإنابة #وسيم منصوري أن الاستعدادات جارية على قدم وساق لكي تبدأ قريباً عمليات بيع وشراء الليرة اللبنانية على منصّة #بلومبرغ بدل المنصّة الغامضة التي استحدثها مصرف لبنان في الفترة الماضية، والتي أثارت الكثير من الشكوك والجدل. أهمّية تصريح الحاكم بالإنابة أنه أوّل تأكيد من مصرف لبنان لاعتماد بلومبرغ لعمليات القطع بين الليرة والعملات الأجنبية، وكان ما أعلن عن هذا الموضوع قبل الآن هو تصريحات لنائب الحاكم سليم شاهين حول التوجّه لاعتماد بلومبرغ بديلاً من المنصّة المحلية، وهو الذي عمل على اعتماد هذا الخيار وإنجاز الاتّفاق مع المؤسّسة الدولية الذائعة الصيت في مدينة نيويورك.

إيجابيات هذا الحدث الذي أصبح حقيقة ملموسة، أو يكاد، أنه يُخرج عمليات القطع في سوق بيروت من العتمة إلى النور بعدما اتّسمت عمليات صيرفة بالغموض وأحيطت بالشائعات، وأخفت العلاقة المعيبة بين "الباشا وخادمة القصر"، أي البنك المركزي وبعض الصرّافين. لكن بلومبرغ، عدا ذلك، لن توقف الانهيارات في سوق القطع أو تؤثّر في المسار الدراماتيكي في سعر الصرف، لأن هذا المسار مرتبط بمؤشّرات اقتصادية أبرزها عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري. عجوزات ومظاهر خلل فادحة في الاقتصاد اللبناني لن تعالجها شركة أجنبية، بل هو على عاتق مؤسّسات دستورية لبنانية، مفقودة، تتمتّع بالرؤية والجرأة والتصميم والقدرة على قيادة دولة بدل كفاءتها، غير المشكوك فيها، في قيادة نزاعات القبائل.

في سياق البحث عن إيجابيات الاتفاق مع بلومبرغ، وحدود هذه الإيجابيات، من الأفضل الإقلاع عن الاعتقاد أن طريقة العمل الجديدة تحمي موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية وتغني عن تدخّل المصرف في سوق القطع. حتى عندما تصبح عمليات القطع في عهدة بلومبرغ يستحيل تحييد مصرف لبنان كلياً عن عمليات السوق. 

عندما تظهر في السوق الموجات العارمة المعهودة في اتجاه واحد، بيعاً أو شراءً، لن يستطيع مصرف لبنان البقاء على الحياد. فحياده يسمح بتقلّبات جنونية في سعر الصرف صعوداً أو هبوطاً، وسيجد نفسه مضطراً للتدخّل رغم ضعف إمكانياته للحدّ من تأثير الأعاصير.