Search Icon

بين حريق الدكوانة وسرقة أرشيف الوكالة الوطنية للإعلام: هل أصبحت الحقيقة الضحية الدائمة؟

منذ ساعة

سياسة

بين حريق الدكوانة وسرقة أرشيف الوكالة الوطنية للإعلام: هل أصبحت الحقيقة الضحية الدائمة؟

الاحداث- كتب ليلى خوري

ليس الحريق الذي اندلع في مستودع تابع لوزارة الاتصالات في الدكوانة مجرد حادث عابر يمكن أن يمر مرور الكرام. فبعيداً عن الأسباب التقنية أو الجنائية التي ستحددها التحقيقات، يطرح الحادث سؤالاً أعمق يتعلق بمدى قدرة الدولة اللبنانية على حماية مؤسساتها وممتلكاتها وأرشيفها وذاكرتها الوطنية، والأهم قدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عند وقوع أي حادث أو تجاوز.

فما إن اندلع الحريق حتى بدأت التساؤلات تتصاعد حول محتويات المستودع، وطبيعة المواد الموجودة فيه، وكيفية إدارة هذا المرفق، وما إذا كانت إجراءات السلامة والرقابة مطبقة بالشكل المطلوب. وهي أسئلة مشروعة في أي دولة تحترم الرأي العام وتتعامل مع المواطنين كشركاء في المعرفة لا كمتلقين للروايات الرسمية فقط.

غير أن القلق الحقيقي لا ينبع من الحريق وحده، بل من التجارب السابقة التي عاشها اللبنانيون مع ملفات مشابهة. ولعل قضية سرقة أرشيف الوكالة الوطنية للإعلام تشكل نموذجاً صارخاً على ذلك. يومها ضجت الأوساط الإعلامية والرسمية بالحديث عن حادثة تمس جزءاً من الذاكرة الوطنية والإرث الإعلامي للدولة. فُتح تحقيق، وصدرت مواقف وتصريحات، ثم شيئاً فشيئاً تراجع الملف إلى الخلفية حتى اختفى من التداول العام، من دون أن يعرف اللبنانيون ماذا جرى فعلاً، ومن المسؤول، وكيف انتهت القضية.

هذا النمط من إدارة الملفات الحساسة هو ما يثير الريبة أكثر من الحوادث نفسها. فالمشكلة ليست فقط في وقوع الحريق أو السرقة أو المخالفة، بل في غياب النتائج الواضحة للتحقيقات، وفي تحول العديد من الملفات إلى قضايا معلقة لا تجد طريقها إلى المحاسبة أو كشف الحقائق أمام الرأي العام.

إن الدولة التي تعجز عن تقديم أجوبة واضحة بشأن أرشيفها المسروق، أو بشأن حريق يطال أحد مرافقها الحيوية، تفتح الباب أمام الشائعات والتكهنات وتراجع الثقة بمؤسساتها. وعندما تغيب الشفافية، تتكاثر الروايات البديلة، ويصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والإشاعة.

اليوم، لا يحتاج اللبنانيون إلى بيانات تطمين بقدر ما يحتاجون إلى تحقيق جدي وشفاف ومستقل في حريق الدكوانة، تُعلن نتائجه للرأي العام مهما كانت، وتُحدد المسؤوليات بوضوح إذا ثبت وجود تقصير أو إهمال أو أي عمل متعمد. كما يحتاجون إلى إعادة فتح كل الملفات التي بقيت عالقة في أدراج المؤسسات، وفي مقدمها ملف سرقة أرشيف الوكالة الوطنية للإعلام، لأن العدالة المؤجلة تتحول مع الوقت إلى عدالة مفقودة.

فالدولة لا تُبنى بالوعود، بل بالمحاسبة. والثقة لا تُستعاد بالشعارات، بل بإظهار الحقيقة كاملة. أما استمرار دفن الملفات وإقفالها من دون نتائج معلنة، فلن يؤدي إلا إلى تكريس الانطباع بأن بعض القضايا في لبنان يُراد لها أن تُنسى أكثر مما يُراد لها أن تُحل.