الاحداث- كتبت سابين عويس في صحيفة النهار تقول:"بعد صمت ثقيل ساد غداة صدور تقرير التدقيق الجنائي لمؤسسة "الفاريز اند مارسال"، وسط غموض ساد بداية، معطوفاً على حال من القلق والحذر لما يتضمنه، بعدما احيط نشره بشكوك وعلامات استفهام عن أسباب عدم النشر، حتى أفرجت عنه وزارة المال، تحول هذا الصمت الى ضجيج مدو، قد يكون السبب الرئيسي فيه، ادراج الحاكم السابق رياض سلامة على لائحة العقوبات الأميركية، ما حدد بوصلة التعامل مع التقرير، بعدما جاءت العقوبات بمثابة ورقة اعدام للحاكم السابق، اتاحت للقوى الداخلية ان "تبّل يدها" فيه.
الواضح ان ترددات التقرير قد تصاعدت في شكل اكبر ايضاً بعدما استعاد القضاء وعيه ليمارس دوره وصلاحياته، عبر قرار النيابة العامة التمييزية التحرك واحالة التقرير، وللمفارقة على اكثر من وجهة قضائية، ما عكس حالة الانقسام داخل الجسم القضائي وشكوك حيال الجهات القضائية التي يمكن ان تحسم في هذا الملف، خصوصاً بعد تنحي النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي زياد أبو حيدر لوجود خصومة مع الحاكم السابق.
لا تعكس إحالة التقرير الى القضاء بعد فترة من التريث الا ان القرار بسلوك الملف مساره القضائي قد اتخذ، وان القرار بحسم ملف سلامة قد اتخذ ايضاً، تمهيداً لتوسيع دائرة الاتهامات لتطال الشركاء والمستفيدين. وقد برز هذا التوجه في شكل واضح في مطالعة النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات الذي كلف النيابة العامة المالية والنيابة العامة الاستئنافية وهيئة التحقيق الخاصة في المصرف المركزي اجراء التحقيقات كل ضمن اختصاصه وصلاحياته، مطالباً التوسع بالتحقيق في ما يتعلق بالهندسة المالية والتقديمات الشخصية التي تم الاستفادة منها من الأموال المودعة في المصرف المركزي، ولا سيما مسألة صرف ١١١ مليون دولار وزعها سلامة على اشخاص لم تذكر أسماؤهم في التقرير. ما يؤكد ان مسار كشف الشركاء والمستفيدين قد بدأ، لكن ما ليس اكيداً اذا كان سيستمر ليصل الى كل المتورطين، او سيقتصر على بعض الأسماء التي ستكون، الى جانب سلامة كبش فداء سرقة العصر.
ترافق تحرك القضاء مع تحرك نيابي وسياسي لكل من "#التيار الوطني الحر" و"#القوات اللبنانية". ففي حين دعا رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابرهيم كنعان الى جلسة للجنة الاثنين للبحث في التقرير، بعد كلمة لمؤسس التيار الرئيس السابق ميشال عون ذكّر فيها بأن التدقيق من إنجازات العهد، تلقفت "القوات اللبنانية" الإنجاز، ذاهبة في مؤتمر صحافي لعدد من نوابها امس ابعد الى تقديم اخبار الى النيابة العامة التمييزية حول التقرير، إضافة الى اخبار مماثل الى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
هكذا، وفي اقل من ساعات قليلة، اشتد الخناق على رياض سلامة، ليس من باب التدقيق الجنائي فحسب، وانما ايضاً من جانب التحقيقات القضائية معه، التي ارتدت طابعاً جديداً امس عبر التوجه الى اصدار مذكرة توقيف غيابية في حقه، بعد تعذر تسليمه أوراق التبليغ لجلسة تعقد الثلثاء المقبل، وذلك في تهديد مباشر للرجل المتواري عن النظر والسمع منذ غادر مكتبه في المصرف المركزي نهاية تموز الماضي.
لا يترك التحرك القضائي المفاجئ الشك في ان الملف سلك طريقه نحو الحسم، ليس من باب التحقيقات الأوروبية التي بدأت منذ اشهر، انما من باب التدقيق الجنائي مظللاً بعقوبات أميركية أولى بوادرها سلامة. فالتقرير الذي كان يفترض ان ينجز وفق العقد مع الشركة في أيلول ٢٠٢٢، تأخر صدوره حتى حزيران ٢٠٢٣، ورغم تسليمه لوزير المال في نهاية حزيران الماضي، الا ان الوزير لم يفرج عنه الا في منتصف آب، وذلك بعد قرار من مجلس الشورى بناءً لدعوة مقدمة من النائب سامي الجميل.
لماذا تأخر الوزير يوسف الخليل في نشر التقرير، علماً ان الحاكم السابق كان يملك نسخة منه وضعها امام شاشة التلفزيون في مقابلته الأخيرة قبل انتهاء ولايته. هل كانت هناك محاولة للتخفيف من حدة التقرير او افساح المجال امام احتواء مفاعيله، علماً ان ما كشفه يشكل الجزء اليسير من مغارة المركزي وخباياه، أو ان الاخفاء كان لتبين هوية المتهمين والاسماء التي يكشفها؟
الأكيد ان التقرير وجه أصابع الاتهام في شكل مباشر الى الحاكم ومديرين وأعضاء في المجلس المركزي وفصٓل مكامن هدر أموال المودعين، التي بينت ان الخسائر لم تقتصر فقط على الهندسات المالية، وانما ايضاً وفي شكل كبير على الدولة ولا سيما على قطاع الكهرباء. وهذا الامر ينقل المتفاخرين بالانجاز الى قفص الاتهام، بما ان وزراءهم تعاقبوا على وزارة الطاقة وساهموا في هدر المليارات، منها ١٨ ملياراً ديون كهرباء لبنان و٦ مليارات لوزارة الطاقة و٥٤٣ مليون دولار تحويلات للكهرباء!
وهنا السؤال التالي، هل يتوقف التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان او يتوسع ليشمل القطاعات والمؤسسات العامة الأخرى، كما جاء في القرار الذي صدق عليه مجلس النواب بالاجماع في نهاية تشرين الثاني ٢٠٢٠ جواباً على رسالة رئيس الجمهورية حول التدقيق، والقاضي بأن "تخضع حسابات المصرف المركزي والوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي للتدقيق الجنائي من دون أي عائق او تذرع بسرية مصرفية او خلافه!