الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": يبدو أنّ انعقاد اللقاء الرئاسي الموعود لصوغ موقف لبناني موحّد من ملف المفاوضات مع إسرائيل ما زال متعثراً، في ظلّ التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب. ولكن التواصل الرئاسي مستمر على رغم بعض التناقضات والسجالات الرئاسية والسياسية، في ظل تعويل على تدخّل أميركي فاعل، يُلزم إسرائيل بالتزام الهدنة الممّددة، لأنّ لبنان قد لا يذهب إلى المفاوضات تحت النار، ما لم يحصل هذا الالتزام والانسحاب من المنطقة الجنوبية المحتلة.
في هذه الأجواء، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قوله، إنّه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العمل في لبنان بحذر أكبر، مشدّداً على ضرورة عدم إسقاط المباني، فذلك «يضرّ صورة إسرائيل».
وأضاف ترامب «إنّ الجهود مستمرة لمنع انهيار وقف إطلاق النار في لبنان خلال الأسبوعين المقبلين وما بعدهما، معرباً عن حبه للبنان وقيادته، ومعتبراً أنّ المشكلة تكمن في «حزب الله». واتهم إيران بأنّها «دمّرت لبنان من خلال ذراعها «حزب» الله»، مشيراً إلى أنّه طلب من نتنياهو أن تكون الضربات في لبنان «موضعية». وختم، إنّ لبنان يمكن أن يعود كما كان عليه «عندما ننهي الأمر مع إيران، ثم مع «حزب الله» في نهاية المطاف».
الطلاق بين منطقين
وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ أكثر ما يثير القلق هو وصول «الطلاق» بين «منطق الدولة» و«منطق المقاومة» إلى ذروته عبر «خطب التخوين» المتبادلة. وهذا الاشتباك يُضعف الموقف اللبناني المفاوض ويشلّ قدرة الدولة على اتخاذ أي قرار حسم حقيقي، ما يدفعها إلى التهرّب من الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليها دولياً، كما يُعطي إسرائيل الذريعة للاستمرار في عملياتها، ويجعل من لبنان الرسمي مفاوضاً بلا أوراق على الطاولة.
وسط هذا الخضم، يبدو لبنان محاصراً بفائض من التهديدات الإسرائيلية الميدانية مقابل نقص حاد في المبادرة السياسية. فالمشهد في الجنوب لا يشبه الهدنة إلّا بالاسم. وتُظهر الوقائع الميدانية أنّ تل أبيب انتقلت من «إدارة الاشتباك» إلى استراتيجية «فرض الواقع الجغرافي» بالبارود، مستغلةً الانقسام اللبناني العمودي لإمرار ترتيبات أمنية قد لا ترتقي إلى مرتبة الاتفاقات السياسية، لكنها ترسم مستقبلاً غامضاً لمستقبل لبنان وسيادته.
وجاءت أمس تهديدات وزير الأمن الإسرائيلي إسرائيل كاتس بمعاملة الجنوب كقطاع غزة، انعكاساً لمنطق «التدمير البنيوي» الذي تشهده القرى الجنوبية حالياً. فإسرائيل تنفّذ الآن اتفاقاً استنسابياً، ومن طرف واحد، عبر توسيع المنطقة العازلة من خلال عمليات التفجير الواسعة ونسف المنازل، ما يحوّل «الخط الأصفر» إلى واقع لا رجعة عنه، بحيث يصبح أي انسحاب مستقبلي للجيش الإسرائيلي انسحاباً من أرض محروقة غير قابلة للسكن. ويقف لبنان أمام حقيقة مؤلمة، وهي أنّ إسرائيل تراهن على عجز الدولة لتبرير بقائها وتوسيع ضرباتها، بينما يراهن «حزب الله» على الصمود الميداني لتعطيل المسار السياسي. وفي المسافة ما بين الرهانين، يتمّ محو معالم الجنوب وتشريد أبنائه.
عون وبري
وعلى هامش المساعي الجارية لعقد اللقاء الرئاسي الثلاثي، قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام وفد من الهيئات الاقتصادية، إنّ «على إسرائيل أن تدرك بشكل نهائي انّ الطريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها اولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل، للانتقال بعدها إلى المفاوضات». وأضاف: «نحن الآن في انتظار تحديد موعد من قبل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات. دول الاتحاد الأوروبي بأسرها والدول العربية معها، دعمت خيارنا بالمفاوضات، وهناك إجماع على مستوى الشعب اللبناني، وخصوصاً أهل الجنوب، على ضرورة الانتهاء من الحرب». واعتبر الرئيس عون أنّ هناك امراً إيجابياً قد تحقق، وهو انّ الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، «الذي يحمل مكانة خاصة للبنان، وقد أشاد خلال الاتصال الهاتفي بيننا بشكل مؤثر بلبنان وشعبه، وهذه فرصة لنا علينا الإستفادة منها للعبور ببلدنا إلى شاطئ الأمان والسلام».
وأضاف: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يُحكى في الإعلام. أما بالنسبة للانتقادات بأنّ لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر على إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرّية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فأقول إنّ هذا الكلام وَرَدَ في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً، لأنّ الاتفاق يتمّ بعد انتهاء المفاوضات».
وردّ المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري على الرئيس عون بالآتي: «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلّا أنّ الكلام الذي وَرَد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق تشرين الثاني عام 2024 وموضوع المفاوضات».
وقد تلقّى الرئيس بري مساء أمس اتصالاً من وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي، تناول آخر تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة.
الراعي والبخاري
من جهة أخرى، واصل السفير السعودي في لبنان وليد البخاري جولته على المرجعيات الدينية، فزار أمس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وتمّ عرض للأوضاع الراهنة وسبل تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مسار الدولة ومؤسساتها.
وخلال اللقاء، أكّد البخاري «أنّ المرحلة الراهنة تحتاج إلى حكماء يعملون على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار، ودعم الرئاسات الدستورية في مقاربتها للتحدّيات القائمة». كما شدّد على «أنّ بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأنّ ترسيخ الولاء للوطن يبقى الركيزة الأساسية لأي نهوض مستقبلي».
وحسب بيان الكرسي البطريركي «تمّ التأكيد على أنّ التاريخ اللبناني، بما يحمله من محطات متكرّرة، يدعو إلى استخلاص العِبَر، تفاديًا لتكرار الأزمات، والانطلاق نحو مرحلة جديدة قوامها التلاقي الوطني». كما كان تشديد على «ضرورة استثمار اللحظة الراهنة لتفادي ضياع الفرص، والانطلاق نحو رؤية مستقبلية تعزّز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة التي تكنّ محبة صادقة للبنان». وتطرّق اللقاء إلى «أهمية دعم المبادرات الحوارية، ولا سيما منها اللقاءات الدينية والوطنية الجامعة، لما لها من دور في تثبيت الاستقرار وتعزيز روح التلاقي بين مختلف المكوّنات، مع التأكيد على أنّ نجاح هذه المبادرات يفتح آفاقًا جديدة أمام الحلول البنّاءة».