Search Icon

ترامب- نتنياهو، من الغرام إلى الخصام؟

منذ 56 دقيقة

أقلام حرة

ترامب- نتنياهو، من الغرام إلى الخصام؟

الاحداث - كتب د. فيكتور الزمتر* 

في دفاعه عن الإتفاق المبدئي، بين الولايات المتحدة وإيران، اعترفَ، JD Vance، نائبُ الرئيس الأميركي، بأنَّه اتفاق  "رابح-رابح win-win"، ما يعني تقاسُمَ مآلات الحرب، على أفرقائها بالنقاط، لا بالضربة القاضية. وهذه "شهادةُ شاهدٍ من أهل البيت"، لا سيَّما أنَّ أُبُوَّةَ الاتفاق نُسبت إليه، تفادياً لتحميل الرئيس ترامب وِزرَ فشل الحرب.

ومع وضع الحرب أوزارها، مؤقَّتاً، تحوَّلَ الحديثُ، من تبايُن المواقف بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، الرافضة، بالمُطلق، لهذا الإتفاق، إلى المدى الذي ستبلغُه مُلاسنةُ ترامب بحقِّ نتنياهو. فمن وُجهة نظر إسرائيل، ابتدأت الحربُ، تخطيطاً وتجهيزاً وتنفيذاً بالشراكة الثُنائية، لينتهي الإتفاقُ المُتمخِّضُ عن الحرب، إلى استبعاد المُشاركة الإسرائيلية. وسرعان ما تظهَّرت المُعارضةُ الإسرائيليةُ المُوحَّدةُ، بين الحكومة والمعارضة، لهذا الإستبعاد، مع استهجان إشراك إسرائيل في الحرب، واستبعادها وقتَ السلم.

تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المعارضةَ الإسرائيلية للتفاهُم الأميركي الإيراني، تعودُ، في ما تعودُ، إلى إدراج وقف الحرب في لبنان، بنداً لازماً في متن الإتفاق. وتَعُدُّ إسرائيلُ لهفةَ واشنطن على وطن الأرز، خُروجاً على تقليدها بتلزيم ملف دُوَل الجوار الإسرائيلي، الثُلاثي الفلسطيني اللُّبناني السوري، إلى عناية الدولة العبرية، وِفقَ ما تُمليه مصلحتُها الأمنية. واستطراداً، تعتبرُ إسرائيلُ أنَّ حضورَ الملفّ اللُّبناني المُفاجىء، ضمن أولويات الإدارة الأميركية، مَدعاة قلقٍ لخوفها من ترتيب أوضاع لبنان، بعد عجزها عن اقتلاع حزب الله، بما يتعارضُ مع سياستِها التدخُّلية في الشأن اللُّبناني.

وبعدَ تردُّدٍ وضغط القاعدة المُتطرِّفة، التي اتهمته بالخضوع للرئيس الأميركي، زاد منسوبُ "الأدرينالين، في عروق نتنياهو الماضي قُدُماً لدخول الانتخابات، أواخر أوكتوبر القادم. فالتقطَ موجةَ تملمُل قاعدته الانتخابية، ممّا اعتبرته وِصايةً أميركيةً مرفوضةً، وإنْ أتت من الحليف الوازن، ليتخذَ من الضغوط الأميركية، شعاراً لمعركته، التزاماً بما يعتبرُه مسؤوليتَه عن أمن إسرائيل.

ثلاثةُ عُقودٍ، ونتنياهو طفلُ الولايات المتحدة المُدلَّل، يسرحُ ويمرحُ في ملعب الكونغرس، بغرفتيه، كما لم يعرفُه أحدٌ من زُوّار واشنطن الكبار. وغالى باستقوائه إلى حدِّ تحدِّيه الرئيس أوباما، في عقر دار الكونغرس، يوم 3 مارس 2015، وإلقائه خطاباً انتقدَ فيه مُقاربةَ الرئيس باراك أوباما للملف النووي الإيراني، ما حمل هذا الأخيرَ إلى عدم استقباله في البيت الأبيض.

نتنياهو، اليوم، أمام عاصفةٍ تهبُّ من بيت الطاعة، بعد أنْ بلغَ من الدلال عتيّا، وكأنَّ وقتَ التقاعُد قد حانَ، على ما يبدو، لأنَّ العالمَ قد ضاقَ ذرعاً بغطرسته وبنهجه الإستعلائي والإستبدادي. فمصيرُه، بالتالي، مرهونٌ بكيفية تعامُله مع تلك العاصفة، بالإنحناء لاستيعابها، أو بالمواجهة للخروج منها شهيداً، أو ملكاً مُتوَّجاً على عرش إسرائيل.

مكَّنت خدمةُ نتنياهو، في الولايات المتحدة، للإدِّعاء بأنَّه من العارفين بخفايا صناعة القرار الأميركي، انطلاقاً من اطِّلاعه الوثيق، على مفاعيل مراكز الضغط، على مفاصل الإدارة الأميركية. وهو يعلمُ علمَ اليقين، أنَّ "اللُّوبي اليهودي" يتصدَّرُ تلك المراكز، لجهة تأثيره الفاعل على السياسة الأميركية، داخلياً وخارجياً. فـ"اللّوبي اليهودي" مثالٌ في العمل المنهجي، لجهة تحديد "بنك أهدافه"، ومُثابرته على تحقيقها، عبر تغلغُل تأثيره الهادف، في مناحي الحياة الأميركية الحسّاسة، في مجالات الإعلام والقضاء والمال .. ولا يخفى على نتنياهو مدى تأثير "اللُّوبي" الفاعل في الانتخابات الأميركية المحلية، مُروراً بالفدرالية وانتهاءً بالرئاسية. كما تُسجَّلُ لهذا "اللُّوبي"، مُتابعتُه الحثيثة للتنشئة الهادفة، لبيئته اللَّصيقة، من أفواج المُتفوّقين في شتى المجالات.

والرئيسُ الأميركي، بدوره، يواجه تحدٍ جديٍّ، يتمثَّلُ بالانتخابات النصفية، في 3 نوفمبر القادم، وسطَ التآكُل والإنقسام داخل قاعدته الشعبية، لانقلابه على وُعوده الانتخابية، بإصلاح التضخُّم وعدم إدخال البلاد في حروبٍ خارجيةٍ .. فخسارةُ حزبه للأغلبية، في مجلسَي النواب والشيوخ، تُحوِّلُه إلى "بطَّةٍ عرجاء"، تُخضِعُ سياستَه تحت سيف أغلبية الحزب الديمقراطي، المُتربِّصةُ للإنتقام من تهشيمه لرموزها، هذا، إنْ لم تُقدِّمُه للعدالة، بسبب المآخذ والعداوات التي خلَّفَها.

إنَّ العقليةَ الأميركيةَ البرغماتيةَ، التي يتميَّزُ بها نتنياهو وأبناءُ جلدته، تحملُ على الإعتقاد بأنَّه مُدركٌ، أنَّ الرئيسَ ترامب، في مُنتصف ولايته، ما لا يستأهلُ مواجهةَ طبعٍ صِداميٍّ آيبٍ، بعد سنتين، هذا إنْ أفلتَ من مُعاقبته، في انتخابات الكونغرس النصفية. وعليه، لا بأسَ من التظاهُر بالإنحناء أمام العاصفة، بالتوازي مع محاولة تدفيع الرئيس ثمنَ ما يعتبرُه نتنياهو انقلاباً، كي لا يُقالُ طعنةً بالظهر.

لذلك، من الصعب التنبُّوء بالمسار، الذي سيرسو عليه كباش ترامب نتنياهو، المُتراوح بين أنْ يكونَ غيمةَ صيفٍ، أو استدارةً تتماهى مع التحوُّل في المزاج الشعبي الأميركي، جرّاء انكشاف سياسة إسرائيل التوسُّعية، وما يُسبِّبُه استهتارُها المُتوحِّشُ بالمعايير الإنسانية، وما يزالُ يُسبِّبُه، من خُدوشٍ في الضمير الحيّ.

*سفير سابق