Search Icon

تفاهمات بالجملة، لا "آليات تنفيذية" ولا "مهل ثابتة" بعد!؟

منذ ساعة

من الصحف

تفاهمات بالجملة، لا آليات تنفيذية ولا مهل ثابتة بعد!؟

الاحداث- كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية يقول:"

طالما انّ الشكوك تحيط بمصير "وثائق التفاهم" و"اتفاقيات الإطار" فالمستقبل القريب رهن صدقية الرعاية الأميركية - الإيرانية حتى نهاياتها المطلوبة... والخوف ان يقترب الخطر ليحدق بالوثائق التاريخية  ومنها مفاعيل "وثيقة بكين" كما بالنسبة الى اتفاقات وقف النار.

عَكَس الاعتماد المتزايد على "المؤثرات النفسية" في الحروب الحديثة، نوعاً من الفشل في آداء معظم الوسطاء والمفاوضين من ديبلوماسيين وعسكريين. وعلى هذه القاعدة رصد المراقبون تعثر الخطوات التي قضت بها مجموعة من "اتفاقات الإطار" و"مذكرات التفاهم" قبل ان يجف حبرها. وهو ما أرجأ إطلاق مسارات ما بعد وقف النار كما أُقرّت على طاولات "إسلام آباد" و"واشنطن" و"بورغنشتوك"، بما قد يؤدي إلى سقوط المهل المرتبطة بها. وهذه بعض الدلائل والمؤشرات.
لا يخفي مراقبون سياسيون وديبلوماسيون حجم القلق المتنامي لدى معظمهم من التطورات الملتبسة التي رافقت الحروب الأخيرة وتداعياتها. وهو ما عّبر عنه بعض من أولئك الغارقين في عملية نقل الرسائل، بعدما أتقنوا الزيارات والجولات المكوكية بين العواصم المختلفة. وكل ذلك نتيجة عدم القدرة على إنهاء الحروب التي اشتعلت وتناسلت فصولها في السنوات الثلاث الاخيرة، بعدما اتسعت رقعتها لتشمل مساحات واسعة امتدت من الأراضي الإيرانية الشاسعة إلى دول شرق المتوسط وعمق الخليج العربي والمضائق بين بحارها ومحيطاتها. ذلك انّ معظم وثائق التفاهم المبدئية الموقتة، وتلك التي حملت صفات الديمومة إلى حدّ ما، قد بقيت حبراً على ورق، بعدما اقتصرت مفاعيلها على خفض التوتر والتقنين في استخدام الأسلحة الثقيلة المتطورة.
وقبل الدخول في ما يقود إلى هذه الأجواء السلبية التي عمّت معظم عواصم المنطقة ومسؤوليها، تلمّس هؤلاء سقوط عدد من الاستراتيجيات العسكرية والديبلوماسية التي كانت تتحدث عن حروب صاعقة وسريعة لا تتعدّى الأيام او الأسابيع القليلة، قبل ان تتمادى الآلة العسكرية التي انطلقت من قطاع غزة ومحيطه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطالة أمدها، إلى ان تجاوزت سنوات عدة. وانتهت إلى إسقاط بعض الأنظمة وتغييرات كبرى في التحالفات، بحيث سقطت تفاهمات قديمة وأخرى مُحدثة، كان صانعوها يستعدون لإعلان دخول بلدانهم مدار "تصفير المشكلات" المحيطة بها، كخطوة على الطريق إلى مجتمع مسالم تعب أهله من مسلسل الحروب المتقطعة التي أنهكت مجتمعاتها لعقود.
وانطلاقاً من هذه المعادلات التي حكمت مسلسل الحروب القديمة، فقد ثبت انّ السعي إلى "نصر مطلق" بات حلماً بعيد المنال لأكثر من سبب. فالمجتمعات التي أعلنت استسلامها في حروب سابقة باتت أكثر استعداداً للتضحية بأقصى ما تملكه من قدرات لحماية عائلة حاكمة او نظام، لم يكن مستعداً لإعادة النظر بآلية الحكم وطريقة تقاسم السلطة وتوزيع الثروات الطبيعية أياً كانت التكلفة. وهو أمر تلاقى مع استعدادات بعض الدول للعيش في ظل حروب طويلة الأمد لم تعتد عليها يوماً، وخصوصاً انّها قد تحولت بلمح البصر حرباً "وجودية" تمسّ الكيان وتهدّد الوجود، سواء كان ذلك امراً واقعياً أم العكس صحيح.
وعند الدخول في بعض النماذج الأخيرة، فقد توقف المراقبون أمام "النموذج الإيراني" الذي عبّرت فيه سلطته الدينية والعسكرية عن قدرتها على تجاوز فقدان قيادتها الدينية والعسكرية والاستخبارية العليا، بطريقة قد تكون شبه كاملة، في اقل من ساعات قليلة، لإثبات وجودها ومدى قدرتها على الصمود والتصدّي لآلة عسكرية ضخمة ومتعددة الوجوه. وقد تزامنت هذه التجربة مع أخرى تعني عدواً كانت في مواجهته منذ عقود من الزمن وما زالت تكن له العداء. ذلك انّ المتغيرات الكبرى قد طاولت الطرفين. فإسرائيل التي قيل انّها دولة لا تتحمّل خوض حروب طويلة الأمد، واعتادت على حسمها بسرعة قياسية، أظهرت استعدادها لخوضها على مدى سنوات عدة وعلى أكثر من جبهة داخلية وخارجية، ذلك انّها المرّة الاولى التي تخوض فيها حرباً في جبهتها الداخلية، وقد تعرّضت لأشدّها وأكثرها خطورة.
وما بين هاتين التجربتين المتعاكستين، فقد ارتدّت الحرب على إيران وبالاً على دول خليجية ناشئة، لم تسمع منذ نشأتها بصوت صاروخ عابر لأراضيها ويهدّد منشآتها النفطية، بعد التجربة اليمنية التي عبرت في فترة قياسية وجيزة سماء "أرامكو" وأبو ظبي، واعتقدت أنّها قد تجاوزتها، قبل أن تعبر الصواريخ الإيرانية إلى عمق أراضيها ومنشآتها الحيوية بطريقة غير مألوفة. فقد اعتقد بعض حكامها لفترة انّهم نجحوا من خلال "وثيقة بكين" بإرساء صيغة جديدة من التعاون بين أكبر دولتين في المنطقة السعودية وإيران، وخصوصاً انّها أرخت بظلالها على جاراتهما بأنظمتها الأميرية والملكية بشكل تلقائي وطبيعي.
وقياساً على مجموعة النماذج هذه، لا يمكن لأي من المراقبين، إلاّ أن يميّز التجربة اللبنانية عنها جميعها. فالبلد الذي عاش مسلسل أزمات داخلية خانقة مالية وأمنية وبيئية، لم يتورع بعض من فيه عن خوض تجارب حربية جديدة وغير متكافئة، غير عابئ بالأثقال التي تحول دون القرار بخوضها. إلّا أنّه يعيش التجربة عينها نتيجة التفاهمات التي صيغت في إسلام آباد وواشنطن والدوحة وطهران و"بورغنشتوك" في سويسرا، والتي لم ير أي منها النور حتى اليوم. حتى انّ الخطوات الأولى التي قالت بها، تُترجم بطريقة منقوصة، وقد أثارت الخلافات حول آلية تطبيقها، بدءاً من الآلية الخاصة بوقف النار قبل الولوج إلى المراحل التنفيذية المتصلة بإنهاء الاحتلال وفك الحصار العسكري ومعه برامج العقوبات الاقتصادية والمالية إلى أجل غير مسمّى.
وختاماً، لا تتردّد المراجع الديبلوماسية عينها في التعبير عن عجزها في تقديرها للخطوات المقبلة ومدى تكيّفها مع النيات التي عُقدت عليها. وخصوصاً انّ الحكم المسبق على مدى جدّيتها رهن صدقية الرعاية الأميركية والإيرانية لما يُبذل من جهود، كانت وستبقى متأرجحة في كفتي ميزان دقيق بين الشك واليقين، وما يزيد من صعوبة التقدير، فقدان استراتيجية لبنانية موحّدة بالحدّ الأدنى المطلوب بلا أي أفق يُشار إليه غمزاً أو لمزاً.