الاحداث- كتبت سابين عويس في صحيفة النهار تقول:"بتوقيف الحاكم السابق رياض سلامة، اعاد القضاء فتح الملف وسط تساؤلات ما إذا كان يرمي إلى السير فيه حتى النهاية او انه مجرد الهاء جديد وفصل من فصول التعمية. ولأن الجواب رهن المسار القضائي، برزت تساؤلات جانبية تستهدف المصرف المركزي وحاكمه تحديداً على خلفية توقيت اعادة تحريك الملف، ومسؤولية المركزي، وهو الجهة المدعية، والحيثية وراء اقتصار التوقيف على سلامة وليس آخرين ممن طالتهم الدعاوى.
في مقاربة قانونية، تلفت مراجع مالية الى أن مصرف لبنان ليس مصرفاً عادياً، بل الجهة التنظيمية العليا، والرقابية الوحيدة، والسلطة النقدية النهائية للقطاع المصرفي، والمسؤولة عن السياسة النقدية، لكن بعض أطراف القطاع تعاملوا معه، كمصدر للمحاباة أو للتمويل الاعتيادي، استناداً إلى قربهم من مركز القرار، أي الحاكم. وهذا فهم خاطئ جوهرياً.
قد يكون تدخل المركزي مبرراً لحماية مصرف يعاني ضائقة حقيقية، لكنه لا يبرر تمويل تغييرات خاصة في ملكية الأسهم أو مساعدة كيانات خاصة على تسديد ديون في الخارج، عندما لا يكون المصرف المعني متعثراً أو عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته أو مهدداً بالانهيار أو عرضةً لسحب جماعي للودائع، كما حصل في القضيتين المتعلقتين بأسهم في مصرف عودة، وليس بالمصرف في حد ذاته، وبأسهم وكيان مرتبط ببنك ميد، لا ببنك ميد في حد ذاته، ما طرح مسألة جوهرية ، ليس ما إذا كانت الأموال قد اقترضت ثم رُدّت مع فوائد. بل هو ما إذا كانت أموال المصرف المركزي، المرتبطة بدرجة كبيرة بأموال المودعين، استُخدمت بصورة قانونية وسليمة من الأساس. فالمادة 70 من قانون النقد والتسليف وفق المراجع، لا تجيز مثل هذه المعاملات الخاصة.
وإذا خالفها الحاكم، فلا تتحول المخالفة إلى قانون. وجميع الأطراف يعلمون أن أموال المركزي، لا يجوز استخدامها إلا لمساعدة مصرف، لا أفراد، يواجه ضائقة سيولة أو أزمة مصرفية أو خطر التوقف عن الدفع أو خشية سحب جماعي للودائع، أو أي حالة مماثلة يؤدي فيها مصرف لبنان دور المثبّت للقطاع. أما هنا، فقد أدّى المركزي، دور ممول خاص لمعاملات خاصة، وحقق مسؤولون كبار فيه وأفراد معنيون إثراءً غير مشروع من خلال رشى مدفوعة.
وعليه، شكّلت قرارات سلامة في القضيتين مخالفة فاضحة لقانون النقد والتسليف؛ واستُخدمت الأموال لمصلحة أطراف خاصة، وتبادلت الأيدي مدفوعات غير قانونية.
من هنا، يبدو ما تقوم به الحاكمية مبرراً، اذ تدافع عن نزاهة المؤسسة ومصداقيتها بوصفها الضمانة العامة للقطاع المصرفي.
ووتقول المراجع ان المركزي تبنى سياسة واضحة تقوم على مراجعة جميع العمليات التي قد يكون المصرف تكبد بنتيجتها أضرارًا مالية أو قانونية، والعمل على استرداد أي أموال يثبت القضاء أنها خرجت منه بغير وجه حق، عبر الوسائل القانونية، وبالتعاون الكامل مع السلطات القضائية والجهات المختصة داخل لبنان وخارجه.
وتؤكد ان هذه المراجعة لا تستهدف المصارف التجارية كمؤسسات، أما إذا ثبت أن أفرادًا، أياً كانت مواقعهم أو صفاتهم، قد أساؤوا استعمال مناصبهم أو استغلوا سلطاتهم أو شاركوا في معاملات مخالفة للقانون، فإن المسؤولية تبقى شخصية، ولا يجوز تعميمها على القطاع بأكمله.
فضعف المساءلة وغياب المحاسبة الفعلية، أوجد ثقافة اعتاد فيها البعض اعتبار أن مجرد صدور قرار إداري أو حصول معاملة على موافقات داخلية كافٍ لإضفاء المشروعية عليها. غير أن القانون يميز دائمًا بين الشكل والمضمون.
وهنا تكمن أهمية دور القضاء اليوم. فقبول أي دعوى وفتح التحقيق فيها لا يعني صدور إدانة، بل أن النيابة العامة والقضاة المختصين وجدوا من الوقائع والمستندات والقرائن ما يبرر الانتقال إلى مرحلة التحقيق القضائي.
وتفيد المعلومات ان التحقيقات استندت إلى كم كبير من الوثائق والمراسلات والمستندات والبيانات المالية الواردة من لبنان ومن عدد من الدول الأجنبية، وخضعت للتدقيق قبل اتخاذ أي إجراءات قضائية، كما تم الاستماع إلى عدد من الأشخاص المعنيين ضمن الأصول القانونية.
وتثير هذه الملفات أيضًا سؤالًا جوهريًا يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة وظيفة المصرف المركزي نفسه. فالمصرف المركزي ليس مؤسسة استثمارية، ولا صندوقًا لتمويل الصفقات الخاصة، ولا جهة يمكن توظيف مواردها لخدمة انتقال ملكيات خاصة أو تمويل عمليات تجارية لا تدخل ضمن المهام التي أناطها به قانون النقد والتسليف.
فوظيفته حماية الاستقرار النقدي والمالي، والمحافظة على سلامة النظام المصرفي، وصون الثقة بالعملة الوطنية. وأي استعمال محتمل لموارده خارج هذه الأهداف، إذا ثبتت مخالفته للقانون، لا يُقاس فقط بقيمة الأموال أو بما إذا كانت قد أُعيدت لاحقًا، بل أيضًا بما قد يكون سببه من مساس بمكانة المؤسسة وبثقة المواطنين والأسواق بها.
والقول إن إعادة الأموال تنهي النقاش القانوني يتجاهل مبادئ راسخة في القانون، ومنها مسؤولية التعويض عن الضرر، ، وإساءة استعمال السلطة.
ومن هنا، فالقضية المطروحة اليوم ليست مجرد نزاع مالي، بل هي اختبار لقدرة الدولة على ترسيخ مبدأ أن المؤسسات السيادية كما ان
الاعتبارات الإنسانية والصحية لأي شخص يخضع للتحقيق يجب أن تبقى موضع احترام كامل، على الا تتحول إلى وسيلة للتأثير في مجرى العدالة أو للتشكيك المسبق في الإجراءات القضائية ما دامت تتم تحت إشراف القضاء المختص ووفق الضمانات القانونية.
وإذا نجح لبنان في تكريس هذا النهج، فإن القضية الحالية لن تكون مجرد ملف قضائي عابر، بل قد تشكل نقطة تحول في مسار استعادة هيبة الدولة، وترسيخ استقلال القضاء، وحماية مصرف لبنان بوصفه أحد أهم ركائز الاستقرار المالي والنقدي في البلاد.