الاحداث-كتب فارس خشان في صحيفة النهار يقول:"يوم الخميس المقبل الواقع فيه التاسع من كانون الثاني (يناير) 2025، وفي حال لم تحصل مفاجآت، سينتهي الفراغ الرئاسي في لبنان ويعود العلم اللبناني ويرتفع فوق القصر الجمهوري.
المفاجأة التي يمكن أن تنسف الجهود لإنجاز الاستحقاق الرئاسي بعد تأخير دام أكثر من سنتين وشهرين، تتمثل في تمكّن قوى سياسية متضررة من "رياح التصويت" من تجميع الثلث المعطّل لنصاب الجلسة الانتخابية. الأضواء، في هذا السياق، مسلّطة هذه المرة، على القوى المناوئة لـ"حزب الله". على مدى السنتين والشهرين الماضية كانت مهمّة تطيير النصاب محصورة بهذا الحزب وحلفائه.
وهناك عوائق كثيرة تحول دون تطيير النصاب، فالقوى المتفاهمة على مواجهة "حزب الله" تختلف حول مفهوم المشاركة الدائمة في الجلسة الانتخابية، إذ إنّ بينها من يرفض قطعيّاً ذلك، كما أنّ الضغوط الداخلية والخارجية لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، في الموعد الذي جرى تحديده، كبيرة للغاية.
رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سلّم له "حزب الله" قيادة الانتخابات الرئاسية، هندس جلسة منتجة. خلافاً للمرّات السابقة، فإنّ "الثنائي الشيعي" متفق على جدوى ملء الفراغ. سابقاً، وفي حمأة العمل على تمتين "وحدة الساحات" كان أي رئيس للجمهورية، غير ذاك الممسوك كليّاً من "حزب الله"، محظوراً. حالياً، اختلف الوضع كليّاً، فالمعادلات الجيو- سياسية قلبت الأوضاع رأساً على عقب. فـ"الثنائي الشيعي" يدرك أنّ عدم انتخاب رئيس للجمهورية يعني في حدّه الأدنى تأخير كبير في ورشة إعادة الإعمار، وهو يعني، في حدّه الأقصى، عودة إسرائيل إلى الحرب، في ظل خلل غير مسبوق في توازن الرعب وفي معادلة الردع. بالإضافة طبعاً، إلى أنّ موازين القوى لن تكون أبداً لمصلحة هذا "الثنائي" مع ترسيخ الحكم الجديد في سوريا نفسه، ومع ارتياح إسرائيل إلى تفهّم صديقها الأكيد دونالد ترامب العائد في العشرين من كانون الثاني (يناير) الجاري لوضعية جبهتها الداخلية التي لم تجمع يوماً على شيء مثل إجماعها على ضرورة تصفية "حزب الله".
إذاً بعيداً من احتمالية مفاجأة تطيير النصاب، ما هي السيناريوهات الممكنة لجلسة الانتخاب المقرّرة؟
هناك ثلاثة سيناريوهات تتمحور حول ثلاث شخصيات رئيسية: قائد الجيش العماد جوزف عون، المصرفيّ سمير عسّاف، والوزير السابق جهاد أزعور!
طرف واحد يرفض، بشكل علني وصريح، وصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية هو "التيار الوطني الحر". كل الأسباب المعلنة التي يتحجج بها النائب جبران باسيل واهية. السبب الرئيس يتمحور حول أنّ العماد عون "الثاني" صدّ محاولات متعددة لباسيل بالتدخل بشؤون قيادة الجيش، خلال ولاية العماد عون "الأوّل"، وتحوّل مع الأيّام إلى حالة تريح قدامى العونيين، وبالتالي أصبح "وريثاً طبيعيّاً" للحالة العونية. وعليه، فهو خطر كبير على مستقبل جبران باسيل.
"حزب الله" يتوجّس من عون، بسبب التقاطع الإيجابي عليه، دوليّاً وعربيّاً، وبالتالي، هو ينازع لمنع وصوله إلى القصر الجمهوري. ولكنّ هذا الرفض يمكن أن تكون له صفة "المنازعة المؤقتة"، لأنّ الرفض الجذري، لن يصبّ لمصلحة محاولة "حزب الله" إبقاء فكرة الشراكة بين "المقاومة" والجيش قائمة، ولا سيّما في مرحلة حساسة جداً، حيث يأخذ تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، شكله الدائم.
وبالتالي، لن تكون موافقة "الثنائي الشيعي" في اللحظة الحاسمة على انتخاب العماد جوزف عون مستبعدة، خصوصاً إذا توافرت له نسبة تصويتية قريبة من الأكثرية المطلقة "الناخبة" بدءاً من الدورة الثانية.
على الأرجح يفضل "الثنائي الشيعي" السيناريو الثاني، وهو انتخاب سمير عسّاف رئيساً للجمهورية. عسّاف يملك شبكة علاقات عربية ودولية وازنة، بسبب الأدوار الرائدة التي لعبها خلال عمله المصرفي في العالم. الأهم أنّ عسّاف هو صديق "ألطف شخصية غربية" تجاه "حزب الله"، أي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ومع تأييد عسّاف، يمكن للثنائي الشيعي أن يكرّر ما فعله خلال مفاوضات وقف إطلاق النار، بحيث أصر على أن تكون فرنسا في عداد لجنة مراقبة تطبيق الاتفاق.
لم يعلن أحد معارضته لعساف، ولكن من يفترض بهم أن يوافقوا عليه، سبق أن التزموا بانتخاب العماد عون.
مشكلة عسّاف أنّه يعاني من نقص هائل في مؤهلاته على الرغم من كثرتها، فهو مجهول سياسيّاً، ولا يستطيع أحد أن يثق بأنّ النجاح في القطاع الخاص يمكن نقله بسهولة إلى الشأن العام، حيث كل شيء يتغيّر، ولا سيّما على مستوى آليات صناعة القرارات، فإرضاء العملاء شيء وإرضاء الأوطان شيء مختلف تماماً.
أمّا السناريو الثالث، فهو الوزير السابق جهاد أزعور. قوّة أزعور تكمن في رفض باسيل لعون وحذّر رئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع من عسّاف، الأمر الذي يمكن أن يحيي التقاطع بين هذين الخصمين على أزعور. ولا مشكلة يمكن أن تحول دون عودة "اللقاء الديموقراطي" إلى هذا الخيار، في حال ثبت أنّه موضع إجماع مسيحي. مشكلة أزعور تكمن في أنّ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، بعد كل التهم التي كالها عليه "حزب الله" سابقاً سوف يعني خسارة معنوية لـ"الثنائي الشيعي". هذا "الثنائي" الذي يدخل إلى الانتخابات الرئاسية مسلّماً بخسارة بديهية لمرشح كان يرفض التنازل عنه مهما حصل: سليمان فرنجية.
المرشحون الآخرون للرئاسة، حظوظهم أضعف بكثير من حظوظ هذا الثلاثي.
أمّا وضعية جعجع، فهي، في جلسة التاسع من كانون الثاني (يناير) مستقرّة سلباً. قدرته على تجميع التأييد الضروري تحتاج إلى مزيد من الوقت. في مكان ما قد يكون هو الأكثر استفادة من إرجاء الانتخابات، ولكن ليس بالضرورة المستفيد الوحيد، لأنّ الجنين، في حال لم يخرج في هذه الأيّام من الرحم، يمكن أن يختنق!