الاحداث- كتب رضوان عقيل في صحيفة النهار يقول:"يشغل "التيار الوطني الحر" نفسه والكتل النيابية والحزبية بطرح تطبيق اللامركزية المالية التي وضعها مادة اساسية في أوراق "حواره الرئاسي" مع "#حزب الله"، في وقت يعرف المتابعون لمسار الاتصالات بين الافرقاء ان هذا المشروع لن يصل بسهولة الى أدراج ساحة النجمة، إذا اقتصر تأييده على تكتل "لبنان القوي". ولم يتلقَ العونيون بارتياح موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي من دون مقدمات يقول انه لا يسير باقتراحهم وعدم تخطي الدستور، الامر الذي سيضيق على "حزب الله" مساحة تبنّي هذا الطرح الذي لن تُكتب له الحياة في ظل الظروف والانقسامات وربط هذا النوع من الطروحات الشائكة بملف انتخابات رئاسة الجمهورية. واذا كان من حق أي فريق العمل على تطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطني ورفع الحجر عنها منذ اكثر من ثلاثة عقود والتي تضمنت اللامركزية الادارية وغيرها من الاصلاحات، فان ربطها بالمالية دونه مجموعة من العقبات في لحظة ارتفاع منسوب "حاسة الشم المناطقية والمذهبية" عند اكثر الافرقاء في لحظة يقترب الجميع من انهيار ما تبقى من مؤسسات ادارية ومالية والبكاء على أطلال الجمهورية اذا بقي الاستمرار على هذا المنوال من مسلسل الانهيارات.
وقد أراد السيد حسن نصرالله المرحب في الاصل بحوار حزبه مع "التيار" توجيه رسالة لأصحاب الشأن (العونيين) بأن نتائج اي حوار تلزمه فقط ولا تلزم الآخرين ومن يدور في فلك الحزب. ولا يتوقع "التيار" هنا تحقيق كل النقاط التي طرحها مع الحزب الذي لم يعارض الدخول في نقاش اي طرح من اللامركزية المالية وغيرها في انتظار التوصل الى جلسة رسمية للبت بكل النقاط المطروحة. ولا يرى العونيون في طروحاتهم هذه مخالفة للطائف.
واذا كان أكثر اللبنانيين من السنّة والشيعة والدروز والعلويين لا يؤيدون السير بالاقتراح المالي العوني، فهو لم يحصل على مقبولية عند شرائح مسيحية لا بأس بها وان كانت تشير الى عدم دفع اللبنانيين الرسوم والضرائب على درجة متساوية. وثمة نخب من المسيحيين بينها وزير العدل سابقا ابراهيم نجار، لا تؤيد العونيين في طرحهم "المالي" هذا، ويرى فيه "مخالفة للدستور". ويصدر هذا الموقف من خبير عتيق في حقائق ملفات تشعبات لبنان والعلاقات بين طوائفه. ويقول ان التطرق الى موضوع اللامركزية المالية هو مدخل الى "تشابك" له بداية وليس له نهاية. وتصل بعض المناقشات في رأيه حيال هذا الطرح "الى حدود الهرطقة". وانطلاق اللامركزية المالية على اساس جغرافي سيولد في حال تطبيقها جملة من الاشكاليات عند المواطنين بدل السير بمشروع الانماء المتوازن، مع ملاحظة نجار ان المجالس البلدية بحسب القانون لها الحق في استيفاء ضرائب مباشرة من المواطنين، ولا يعارض نجار الإقدام على تطبيق صلاحياتها.
ولماذا يعمل البعض على اقرار اللامركزية المالية ويسعى الى تسويقها؟ يأتي رد نجار: "على غرار ما جاء في الشرع الاسلامي من باب سد الذرائع من أجل ان يضمن لنفسه (جبران باسيل) ان يكون في المستقبل رئيساً للجمهورية بعد سليمان فرنجية او غيره ليوحي للمسيحيين انه لا يفرط بحقوقهم بل يجلب لهم مكتسبات".
ويؤيد نجار هنا احلال اللامركزية الادارية الموسعة: "أنا معها"، ولكن اللامركزية التشريعية "تجلب الكثير من المشكلات. ويفكر الكثيرون من المسيحيين هنا على سبيل المثال في ان الجزء الاكبر من جباية الكهرباء يدفعونها حيث ان ثمة مناطق عدة يغلب عليها الطابع الاسلامي لا تدفع جبايات هذا القطاع. ويرى المسيحيون انهم يدفعون عن غيرهم ولا يحصلون على موازاة ما يدفعون. وهذا مطلب قديم في مسألة تطبيق المساواة في جباية الرسوم".
هل يمكن تمرير هذا الطرح في مجلس النواب؟
يجيب نجار أن "اللامركزية المالية مخالفة للدستور وهذا أمر طبيعي. وكل شيء اسمه فيديرالية او لامركزية سياسية او تقسيم او توطين هو مخالف لمقدمة الدستور، وهناك نص في هذا الخصوص. ولا يقبل العدد الاكبر من اللبنانيين بهذا الطرح". ويدعو المؤيدين لهذا الاقتراح الى "الكف عن غناء هذا الموّال وتأديته". وفي زحمة هذا الضجيج الدائر حول كيفية ادارة البلد ومؤسساته في العاصمة والمناطق، يقدم نجار طرح اللامركزية الانمائية "التي ليست مبنية على جغرافية طائفية". ويعطي مثلاً على ذلك ان "منطقة عكار الفقيرة لا مانع من وضعها مع منطقة أغنى منها لانشاء مشاريع انمائية وثقافية". ويختم نجار: "ليس المطلوب تقسيم لبنان على اساس طائفي بل انمائي. انا ضد كل تقاسيم التقسيم".
تكثر الطروحات الانمائية والمعيشية والاصلاحية في موسم الشغور الرئاسي المفتوح على وقع التجاذبات بين الكتل بينما المطلوب واحد هو انتخاب رئيس للجمهورية اولاً وعدم جدوى ربط هذا الاستحقاق بأي تفاهمات جديدة لن تؤدي الى تحقيق المطلوب منها. في العام 1961 حضرت بعثة "إرفد" الى لبنان لارساء دولة المؤسسات برئاسة الاب لويس لوبريه الذي وضع استراتيجية برنامج اصلاحي وتنموي بعنوان "مساعدة الانسان وكل الناس". لم ينفذ هذا المشروع للأسف حتى في عهد "أنظف" رؤساء لبنان فؤاد شهاب. فمن يقدر اليوم على اطلاق اي برنامج او خطة اصلاحية او تعديل دستوري وسط كل هذه المساحات من انعدام الثقة بين الافرقاء وارتفاع "لغات" المناطقية والمذهبية: ولو كان لوبريه على قيد الحياة اليوم وسأله اللبنانيون عن اصلاح البلد في ظل الطبقة السياسية الموجودة لرد على الفور :"اذهبوا وترحموا فقط على فؤاد شهاب".