Search Icon

حزب الله يعيد ترتيب بيته الداخلي…ما مصير وفيق صفا؟

منذ يوم

من الصحف

حزب الله يعيد ترتيب بيته الداخلي…ما مصير وفيق صفا؟

الاحداث- كتب حسن فقيه في المدن :فرضت الحرب الأخيرة على لبنان، وما رافقها من متغيرات إقليمية عميقة، جملة من التحولات التي جعلت مختلف الأطراف تدرك عدم جدوى الاستمرار بالعمل وفق معادلات المرحلة السابقة. فلم يعد نهج الحكم في لبنان ولا أداء الحكومة على حاله، كما لم تعد القوى الكبرى مستعدة للتعامل مع لبنان بالطريقة نفسها التي سادت في حقبة مضت، ولا سيما فيما يتعلق بحزب الله، وذلك خصوصًا بعد سقوط النظام السوري الذي شكّل لفترة طويلة خاصرة أساسية لمحور الممانعة.

وإذا أردنا مقاربة واقع حزب الله في مرحلة ما بعد حرب الإسناد ومعركة "أولي البأس"، فلا بد من التوقف عند التحولات العميقة التي طرأت عليه، في أعقاب اغتيال قيادات جهادية بارزة، في مقدّمها الأمين العام للحزب، السيد حسن نصرالله، بوصفه رأس الحزب عسكريًا وسياسيًا وواجهته الأبرز. ومع ما خلّفته الحرب من مآسٍ وضربات قاسية، وما تلاها من اتفاق أوقف العمليات العسكرية، ثم انتخابات رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة، دخل الحزب مرحلة إعادة ترميم ومراجعة وتعديل. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل طالت هذه التحولات الجانب الجهادي، أم أنها تجاوزته إلى بنية الحزب وخياراته الاستراتيجية الأوسع؟

تحولات تنظيمية

بدأ حزب الله مرحلة من التغيير على المستويين الجهادي والتنظيمي، انسجامًا مع متطلبات المرحلة الراهنة. وتشير معلومات "المدن" إلى أن أبرز هذه المتغيرات ظهرت في الشق التنظيمي الداخلي، حيث جرى إلغاء أقسام في بعض الوحدات وإضافة أخرى، من دون إعلان رسمي، وطال ذلك وحدة الارتباط والتنسيق التابعة للحزب. وتُعنى هذه الوحدة بالتنسيق الداخلي، والارتباط بالقوى السياسية والحزبية، والتواصل مع الجهات الرسمية وغير الرسمية، فضلًا عن متابعة الشؤون الميدانية غير العسكرية والتنسيق مع الأجهزة الأمنية.

وفي هذا الإطار، قررت قيادة الحزب إعادة الهيكلة وتعديل المهام الوظيفية للوحدة وعدم حصرها بشخص مسؤولها، وفيق صفا، بحيث لم تعد الصلاحيات التي كانت مجتمعة لديه سابقًا كذلك، وذلك في سياق تعديلات تنظيمية وإعادة هيكلة داخلية أُقرت بقرار من مجلس الشورى.

لم تتجه قيادة الحزب إلى إقالة وفيق صفا من مهامه، لكنها عمدت إلى تقليص صلاحياته. هذا التغيير لم يلقَ قبولًا لديه، ما أدى إلى توقفه عن ممارسة المهام المنوطة به. في المقابل، تولّى متابعة هذه الملفات الدكتور حسين بردى، إحدى الشخصيات البارزة في الحزب، والمعروف سابقًا باسم "الحاج ساجد". ويعكس هذا الاختيار أن بردى يمتلك خبرة واسعة في التواصل مع الأحزاب والقوى اللبنانية، وفي إدارة ملفات التنسيق السياسي والأمني وغيرها من القضايا ذات الصلة.

دلالات التغيير في الأداء السياسي

ورغم عدم إقالة صفا، لما له من مكانة تنظيمية وتاريخ طويل داخل حزب الله، فإن تقليص صلاحياته يعكس بوضوح تبدل طريقة تعاطي الحزب مع ملفاته التنظيمية المرتبطة بالإدارة السياسية والعمليات الداخلية. ويُعرف أن شخصية صفا كانت مثار استفزاز لعدد من الأطراف والأحزاب اللبنانية، إضافة إلى قيادات أمنية وقضائية، ما جعل هذا التعديل يحمل أبعادًا سياسية وتنظيمية في آن واحد.

تعديلات تطال وحدة الحماية

لم تقتصر التغييرات على وحدة الارتباط والتنسيق فحسب، بل شملت أيضًا وحدة الحماية المعنية بالإجراءات الوقائية والأمنية. إذ جرى تعيين "الحاج طه" مسؤولًا عنها خلفاً للحاج حيدر، من دون أن يُصار إلى إقالة الأخير، بل أعيد تموضعه ضمن الهيكلية التنظيمية للحزب. وتندرج هذه التحولات ضمن مسار عام يهدف إلى التكيّف مع الواقع المستجد، وإعادة البناء التنظيمي على مختلف المستويات. فالحزب يسعى إلى التعافي، وإعادة بلورة نشاطه التنظيمي، ومعالجة الثغرات التي برزت، إدراكًا لحجم قاعدته الشعبية وللتداعيات التي خلّفتها الحرب الأخيرة، ما فرض عليه إعادة النظر في آليات العمل من دون التخلي عن دوره السياسي الداخلي.

قيادة جديدة ومرحلة مختلفة

تختلف قيادة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم عن قيادة سلفه الشهيد السيد حسن نصرالله، ليس فقط لاختلاف الشخصيات، بل لأن المرحلة نفسها اختلفت جذريًا. وعلى الرغم من الكاريزما الاستثنائية التي تمتع بها نصرالله، وما راكمه من خبرة وشعبية على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، فإن الشيخ قاسم، أستاذ الكيمياء والمخضرم تنظيميًا، يسعى إلى عبور الحزب نحو برّ الأمان بعد المخاطر التي أحدقت به خلال الحرب، ومحاولات خصومه إنهاء دوره السياسي.

ويبرز في هذا السياق ملف التعويضات في قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، حيث تم تأجيل استكماله نتيجة أخطاء لوجستية أدت إلى تذمر شعبي في بعض المناطق، مع شعور فئات بأنها لم تنل حقوقها، مقابل حصول آخرين على ما يفوق مستحقاتهم. وقد دفع ذلك الشيخ نعيم إلى طلب فتح تحقيق داخلي لمعالجة الأخطاء وإرضاء المتضررين، في خطوة تعكس إدراكه أن المرحلة الحالية لا تحتمل أخطاء جسيمة.

السرية في الشق الجهادي

على المستوى الجهادي، يبقى المشهد أكثر غموضًا وسرية، وكأن الحزب عاد إلى نمط العمل الذي سبق الحرب السورية وما رافقها من انكشاف واغتيال قياداته. ورغم استمرار بعض الضربات، فإن المقاومة تسعى إلى تقليص الهفوات ومعالجتها، عبر حصر العمل مناطقيًا وتنظيمه ضمن سلم جهادي أكثر انضباطًا، تفاديًا لتكرار الخروقات السابقة، وإن كان القضاء عليها بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة في ظل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.

ويختلف التعاطي مع الملف الجهادي عن الملف السياسي، سواء في أسلوب الإدارة أو في مستوى السرية، حيث يحرص الحزب على إحاطته بأقصى درجات التحفظ.

حزب الله بين ما قبل الحرب وما بعدها

حزب الله بعد الحرب ليس كما كان قبلها، ليس على مستوى العقيدة أو القناعات، بل على مستوى المرحلة ومتطلباتها، إلى حين تبدل الظروف على المدى الزمني الطويل.