الاحداث- كتب سركيس نعوم في صحيفة النهار :"تقضي الخطة الراهنة للجيش الإسرائيلي بتوجيه ضربات موجعة لـ"حزب الله" في مختلفة أرجاء لبنان، مع تجريد الجزء الجنوبي من البلاد من أسلحته وعزله حتى نهر الليطاني.
وبعد إجلاء غالبية السكان المحليين، يعكف الجيش على إقامة منطقة أمنية في شريط من الأراضي اللبنانية المحاذية للحدود في مواجهة المجتمعات الشمالية الإسرائيلية. وفي عمق الأراضي اللبنانية، انتشرت وحداته على قمم التلال المطلة على "خط الصواريخ المضادة للدروع" للحؤول دون توظيف "الحزب" لها ضد تلك المجتمعات. وفي سائر المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، يعتزم الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات دقيقة مدفوعة باستخبارات تستهدف مواقع "الحزب" في القرى المفرّغة في معظمها من أهلها.
تستلزم إقامة المنطقة الأمنية هدماً واسعاً في شريط القرى اللبنانية الأكثر التصاقاً بالحدود، باستثناء المجتمعات المسيحية، ويُرجّح أن تستثنى أيضاً القرى الدرزية. وقد أوضح الجيش الإسرائيلي أن القرى لن تُهدم كلياً، بل ستُستهدف البنية التحتية الإرهابية الموجودة فيها فقط. إذ إن المُراد حرمان "حزب الله" وسائر الجهات جعلها منطلقاً لهجمات عابرة للحدود. إلا أنه في ضوء التصريحات الإسرائيلية المتعدّدة ونموذج غزة الذي ألهم العملية في لبنان، فإن الوصول إلى هذا الهدف سيُفضي غالباً إلى "أرض محروقة" في عدد من الحالات. وفي نهاية الحملة تعتزم إسرائيل، استناداً إلى باحث أميركي جدّي، تثبيت مناطق الأمن الموقتة الآنية في جنوب لبنان، ابتداءً من الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة:
- منطقة أمن موقتة بعمق 3 إلى 4 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية تنتشر فيها قوات الجيش الإسرائيلي بقدر ما يقتضيه الوضع. وعلى غرار النموذج الذي أُرسي في أعقاب الحرب على غزة، أُجلي المدنيون منها، وستُهدم المباني على نطاق واسع لقطع الطريق أمام أي توظيف مستقبلي للبنية التحتية الحدودية لأغراض إرهابية. يعني ذلك عملياً حظر عودة الأهالي أو إعادة الإعمار، إلى أن تُبرم ترتيبات بديلة مع الحكومة اللبنانية.
- "خط الصواريخ المضادة للدروع" الممتد بعمق 8 إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، حيث تتمركز القوات الإسرائيلية على التلال وتُنفّذ عمليات تمنع أي إطلاق مباشر للصواريخ في اتجاه المجتمعات الحدودية الإسرائيلية.
- سيرتفع عدد المواقع الإسرائيلية في هاتين المنطقتين من 5 إلى 18 موقعاً.
- في سائر المنطقة الممتدة حتى الليطاني، سيحرص الجيش الإسرائيلي على إبقاء السيطرة العملياتية الديناميكية ومواصلة ضرباته الميدانية لـ"حزب الله" والتنظيمات الإرهابية الأخرى. يُقلق المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد العلاقات مع الجيران ويمد بالوقود "رواية إسرائيل الكبرى" الزائفة المتداولة. ويدرك الإسرائيليون جيداً أن الحملة العسكرية لن تحسم إشكالية "حزب الله"، وأن مفاوضات رسمية مع بيروت صارت ضرورة ولا مفر منها. أما المعارك فستجلب في المقابل تعقيدات جسيمة، إذ إنها ستُلقي أعباءً ثقيلة على حكومة بيروت المناهضة لـ"حزب الله" وستوفّر له أدوات تغذي خطابه المقاوم ضد احتلال إسرائيل. ولكن عسكرياً، ستُضعف الحملة قدرات "الحزب" القريبة من الحدود من دون أن تفنيها، بما في ذلك الغارات العابرة للحدود والقناصة والعبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع والقصيرة المدى التي هي عماد ترسانته الصاروخية. ولن يحول ذلك دون إطلاق صواريخ أبعد من شمال الليطاني، ولن يوقف حرب عصابات "حزب الله" على الوحدات الإسرائيلية داخل لبنان أو داخل المجتمعات الحدودية الإسرائيلية نفسها.
وقد حذّر رئيس الأركان إيال زامير أخيراً من احتمال انهيار المؤسسة العسكرية تحت وطأة الاستنزاف ما لم توفر لها تعزيزات كافية.
هل من توصيات في هذا المجال؟ هناك سبع توصيات يجيب الباحث الأميركي نفسه. أولاها بناء آلية تنفيذ أكثر فاعلية. تفضل إسرائيل أن تكون الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لأي آلية تُستحدث في أعقاب الحملة الراهنة، والمهم استخلاص الدروس من إخفاقات الآليات السابقة بما فيها "اليونيفيل"، وبناء منظومة موثوق بها للتحقّق من نزع سلاح "حزب الله" وتوثيقه.
ثانيتها فرض شروط أكثر صرامة على الحكومة اللبنانية. ويتعيّن إلزام بيروت تقديم خطة وطنية مُلزمة وتفصيلية لنزع السلاح، مدعومة بمعايير واضحة وجداول زمنية محددة. ويجب ربط مستقبل المساعدات الخارجية لجيش لبنان بتقدّم موثّق وقابل للقياس في مسارع نزع التسليح، مع تعليق المساعدات الدولية للحكومة في حال عدم قيامها بواجباتها في هذا المجال.
التوصية الثالثة هي ممارسة ضغوط عسكرية وقانونية ومالية على الشركاء السياسيين لـ"حزب الله" وفي مقدمهم حركة "أمل" ورئيسها نبيه بري. والرابعة التأكيد الدائم لوقتية الوجود الإسرائيلي في لبنان، والهدف هو أن يُصبح لبنان قادراً على منع انطلاق التهديدات من أرضه. ونجاحه في ذلك يعجّل في انسحاب إسرائيل من أراضيه. الخامسة تقليص النفوذ الإيراني في لبنان على كل المستويات وفي كل المجالات، والاقتداء بما تفعله الإمارات مع المجموعات المقاومة داخلها مع إيران. السادسة ربط إعادة الإعمار بنزع التسلّح كما في غزة، إذ لا ينبغي السماح ببدئه قبل إحراز بيروت تقدماً ملموساً وموثقاً في مسار نزع سلاح "حزب الله". أما السابعة والأخيرة فهي مواصلة الضغط على معاقل "حزب الله" شمال الليطاني، مع الإحجام قدر الإمكان عن الإضرار بالبنية التحتية الوطنية أو المساس بالقوات المسلحة اللبنانية.
في هذا الوقت، على جيش إسرائيل إيثار الضربات والغارات الديناميكية على الانتشار الثابت داخل لبنان.