الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
على غير توقُّعٍ داهمٍ، تُرجمَ الاحتقانُ الكامنُ، بين تل أبيب وأنقرة، بقصفٍ إسرائيل لمطار "أبو الظهور" السوري، المُتاخم للحدود التركية، ما أنذرَ بانزلاق القلوب الملآنة، بين الطرفين، نحو مُنازلةٍ عسكريةٍ. اللّافتُ بالأمر ليس الإعتداءَ، بحدِّ ذاته، وهو روتينٌ يوميٌّ، بل مُباهاةُ رئيس وزراء إسرائيل، بـ"أنَّ الهجومَ رسالةٌ لن نتسامحَ مع أيّ حشدٍ أو تمركزٍ عسكريٍّ تركيٍّ، يتحرَّكُ نحو الجنوب ويهدِّدُنا .. فأبلغناهم بالرسالة: لا تفعلوا .. لكنْ يبدو أنَّهم لم يسمعوها، لذلك حرصنا على أن يفهموها بشكلٍ أوضح".
بعد عُقودٍ من إدارة الظهر التركي للعالم العربي، والإرتماء بالحضن الغربي، توثَّقت، أثناءها، العلاقاتُ بين تركيا وإسرائيل، لغاية صعود "حزب العدالة والتنمية" إلى السلطة، ذي التوجُّه الإسلامي، عام 2002، ما صحَّحَ مسارَ الإغترابِ السياسي التركي الطويل، على حساب البيئة الجيوسياسية والعُمق التاريخي.
شاءت الأقدارُ أنْ ينفجرَ غيظُ رئيس وزراء تركيا، يومها، طيّب رجب إردوغان، بوجه "شيمون بيريز"، في 29 كانون الثاني 2009، خلال "منتدى دافوس الإقتصادي العالمي"، في جلسة بعنوان "غزَّة: دعوةٌ من أجل سلام الشرق الأوسط". في خُلاصتها، لم يُمنحْ إردوغان الوقتَ الكافي، للردِّ على "شيمون بيريز"، الذي مُنح وقتاً طويلاً، لتبرير هجوم إسرائيل الدموي على غزَّة، ما دفعَه لمُغادرة القاعة غاضباً، بعدما توجَّه بحدَّةٍ إلى "بيريز"، قائلاً: ".. صوتُك مرتفعٌ لأنَّ لديكَ شعوراً بالذنب.. عندما يتعلَّقُ الأمرُ بالقتل، أنتم تجيدون القتلَ جيداً".
ثمَّ أتت حادثةُ "أُسطول الحرية"، فجر 31 أيّار 2010، بهجوم إسرائيل بالرصاص الحيّ، على أُسطولٍ من سفنٍ إنسانيةٍ، في المياه الدولية، لكسر الحصار على قطاع غزَّة. يومها، أرادت إسرائيلُ لَيَّ ذراع تُركيا وتلقينَها درساً رادعاً، بتركيز هجومها، على الباخرة التركية "مافي مرمرة"، أي المرمرة الزرقاء، فقتلت عشرةَ أتراكٍ وأصابت العشرات.
ثمَّ كانت الإعتداءاتُ على غزَّة، لتُعمِّقَ الخصومةَ بين تركيا وإسرائيل، وُصولاً إلى انهيار فُرَص تقاربهما، مع الحرب الوحشية الأخيرة على القطاع. بالتوازي، سقطَ النظامُ السوري، بفضل تقاطُع مصالح إقليميةٍ ودوليةٍ، كانت فيه تركيا "واسطةَ العقد"، نظراً لرعايتها لقادة النظام الجديد. لم تنظرْ إسرائيلُ، بعين الرضا، لهذا التحوُّل الدراماتيكي، على الساحة السورية، رُغم إطاحته بالنفوذ الإيراني، في سوريا، لإيصاله نظاماً إسلامياً، يُدينُ بالولاء لتركيا.
ما خلا دعمَ إيران للمقاومة في لبنان، فإسرائيلُ كانت مُرتاحةً لنظام البعث، لأنَّه أمَّنَ لها نصفَ قرنٍ من الاستقرار والأمان. أمّا وقد سقطَ هذا النظامُ، فمن البديهي أنْ تتوجَّسَ الدولةُ العبرية من نظامٍ أُصوليٍّ، يُدينُ لتركيا بوصوله إلى السلطة. فإسرائيلُ تعتبرُ تركيا دولةً مُنافسةً لها في الإقليم، لأنَّها قوَّةٌ إقليميةٌ صاعدةٌ، تطمحُ لاقتسام النفوذ، على ولاياتها السابقة، إنْ لم يكنْ على مُجملها. أمّا إسرائيلُ، فكانت تتطلَّعُ إلى شُيوع الفوضى في سوريا، كي تبقى لها اليدَ الطُولى، في ترتيب الأوضاع في عاصمة الأمويين، بما يُرسِّخُ هيمنتَها على المشرق العربي.
على هذه الخلفية المُتوتِّرة، تندرجُ مُحاولة تل أبيب، قطعَ دابر النفوذ التركي العسكري، قبل ترسيخه في سوريا، بذريعة التهديد الوجودي. وفي الوقت الذي يعرفُ فيه القاصي والداني، هُويَّةَ صاحب التهديد الحقيقي، وجدت إسرائيلُ، في "اتفاق مكَّة"، بين السعودية وتركيا وباكستان، ما يُبرِّرُ حجَّةَ شعورها بالتهديد الوجودي. كما لا يغربُ عن البال الإسرائيلي البرغماتي، عوائدُ الهيمنة على الساحل السوري، من الصراع على النفوذ البحري، لجهة التحكُّم باستغلال ثروة النفط والغاز، التي يكتنزُها البحرُ المتوسط، والساحلُ السوري تحديداً، فضلاً عمّا يُشكِّلُه موقعُ سوريا، من مجالٍ حيويٍّ استراتيجيٍّ، في ما يخصُّ تمريرَ أنابيب الطاقة.
ويبدو أنَّ تركيا أخذت رسالةَ قصف مطار "أبو الظُهور"، على محمل الجدِّ، ما دفعها إلى المُسارعة إلى نفي اتهامات إسرائيل، بتمركُزها العسكري في سوريا. وهذا يعني أنَّ لا نيَّةًتركيةً، للدخول بمُنازلةٍ عسكريةٍ، مع إسرائيل المُستفرسة، والمُستقوية بتفوُّقها العسكري، بقدر ما لا مصلحةً لإسرائيل، بفتح جبهةٍ إضافيةٍ، مع قّوَّةٍ إقليميةٍ، تتمتَّعُ بمظلة ردع حلف شمال الأطلسي.
لذلك، يُرجَّحُ أنْ تبقى الخصومةُ الإسرائيليةُ التركيةُ، بحدود القصف الكلامي، وإنْ على حافة المُبارزة المباشرة. فالطرفان ينتظران مساعي الوسيط الأميركي، راعيهما، ليس فقط لتبريد الرؤوس الحامية، بل لأنَّ الجبنةَ السوريةَ المُتنازعَ عليها، قد أصبحت فعلاً (already) في طبق "العم سام". فتعبيرُ "توم باراك"، عن "قلق واشنطن البالغ إزاء الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، يُمثِّلُ تصعيدًا غيرَ ضروريٍّ لا يخدمُ الاستقرار الإقليمي"، ما قد يعكسُ تبرُّمَ الإدارة الأميركية، من إصرار إسرائيل على الإستحواذ على الملف السوري.
لقد فرغت إسرائيلُ من ضبط الأوضاع، في بسط سيادتها على كامل مرتفعات الجولان، وسيطرت على الأوضاعَ في جنوب سوريا، لا سيَّما في السويداء، ما أفسحَ لها مجالَ الإلتفات إلى العُمق الشمالي، لوأد نُذُر التهديد التركي الموهوم، الذي قد يُعيقُ استباحتَها للأجواء السورية، المفتوحة على العراق وإيران، ورُبَّما لملء الفراغ الروسي.
*سفير سابق