Search Icon

خمسة وسبعون عامًا على اغتيال رياض الصلح... 
فكم مرة اغتيل بعد اغتياله؟

منذ 58 دقيقة

أقلام حرة

خمسة وسبعون عامًا على اغتيال رياض الصلح... 
فكم مرة اغتيل بعد اغتياله؟

الاحداث- كتب د. عبد السلام ماريني 

في مثل هذا اليوم، لا نستذكر فقط اغتيال الرئيس رياض الصلح، أحد رجالات الاستقلال وبناة الجمهورية، بل نستذكر أيضًا مشروعًا كاملاً للدولة، وكأن الرصاص الذي أصابه لم يتوقف عند جسده، بل بقي يلاحق الفكرة التي عاش من أجلها.

منذ خمسة وسبعين عامًا، اغتيل رياض الصلح مرة واحدة.

لكن منذ ذلك التاريخ، اغتيل عشرات المرات.

اغتيل عندما تراجعت هيبة الدولة أمام هيبة الطوائف.

اغتيل عندما أصبحت المؤسسات تُعطَّل بدل أن تُحترم، ويُحتكم إلى موازين القوى بدل الاحتكام إلى الدستور والقانون.

اغتيل عندما صار الولاء للطائفة أو للخارج يسبق الولاء للبنان.

اغتيل عندما تحول العيش المشترك من مشروع وطني يصنع المستقبل إلى مجرد شعار يُرفع عند الأزمات ثم يُنسى عند تقاسم المكاسب.

كان رياض الصلح يؤمن بلبنان الدولة، لا لبنان الدويلات. بلبنان الذي يحمي جميع أبنائه، لا لبنان الذي يطلب من كل مواطن أن يبحث عن حماية خارج الدولة.

آمن بأن عروبة لبنان ليست عبئًا على هويته، بل امتداد طبيعي لدوره ورسالته، وبأن استقلال لبنان لا يكتمل إلا بدولة قوية، ومؤسسات فاعلة، وإدارة نزيهة، وقضاء مستقل، وتربية تصنع المواطن قبل أن تصنع الموظف.

واليوم...

نسأل أنفسنا، بعد خمسة وسبعين عامًا: أين أصبحت تلك الجمهورية؟ أين الدولة التي يكون فيها القانون فوق الجميع؟ أين المؤسسة التي تعمل بمعزل عن الحسابات الفئوية؟ أين الإدارة التي تخدم المواطن بدل أن تستنزفه؟ أين التربية التي تبني الإنسان، لا الانقسام؟ لقد اغتيلت الثقة بين اللبناني ودولته، واغتيلت قيمة الكفاءة، واغتيلت فكرة الخدمة العامة، واغتيل الحلم بأن يكون لبنان وطنًا يجمع أبناءه قبل أن يفرقهم.

ومع ذلك، فإن ذكرى رياض الصلح لا ينبغي أن تكون مناسبة للبكاء على الماضي، بل لمراجعة الحاضر.

فالأوطان لا تُبنى بالحنين، بل بالعودة إلى المبادئ التي قامت عليها.

وربما يكون الوفاء الحقيقي لرياض الصلح، ولكل رجال الاستقلال، ألا نكتفي بوضع الأكاليل على النصب التذكارية، بل أن نعيد الاعتبار لفكرة الدولة التي استشهدوا من أجلها.

فالاغتيال الأخطر ليس اغتيال الأشخاص...

بل اغتيال الفكرة.

وإذا كانت رصاصات عام 1951 قد أنهت حياة رياض الصلح، فإن إنقاذ لبنان اليوم يبدأ بإحياء المشروع الذي حمله: دولة سيدة، مؤسسات قوية، عيش مشترك حقيقي، ومواطنة تتقدم على كل انقسام.

عندها فقط، يكون رياض الصلح قد انتصر... ولو بعد خمسة وسبعين عامًا.

مدير مؤسسة الوليد بن طلال الانسانية*