الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
ترسَّخت، في عُقول العالم، مقولةُ "الحُلم الأميركي"، ما جعلَ الولاياتَ المتحدةَ مثالاً للدولة الناجحة، وقُبلةً للحالمين بفُرصة الإقامة والعمل فيها، سعياً وراء السِعة والعيش الكريم. فما حقَّقته من صنوف التقدُّم في شتّى مناحي الحياة، أهَّلَها للتربُّع على عرش العالم الحرِّ، وعلى قيادة النظام اللِّيبرالي، العامل بهدي الشعار القائل: "دَعهُ يمرُّ، دعهُ يعملُ فالعالمُ يسيرُ لوحده".
يسودُ الإعتقادُ بأنَّ الدستورَ الأميركيَّ، مُستوحى من الإرث الثقافي للديانتين، اليهودية والمسيحية، بالرُّغم من غياب أيِّ ذكر للدين، في أيَّة مادَّةٍ من مواده الرئيسية السبعة، ولا في تعديلاته السبعة والعشرين. فالدستورُ الأميركيُّ وثيقةٌ علمانيةٌ، تعودُ جذورُها إلى عصر التنوير، المُنبثق من البيئة الأوروبية المسيحية. تُزاوجُ موادُ الدستور بين القِيَم الأخلاقية، وبين إبداعات الفلاسفة ورجالات الفكر المُتراكمة، في مجالات السياسة والإجتماع والقانون، الذين وضعوا الأُسُسَ النظريةَ للحُكم، تاركين للمُشرِّعين صياغتها في قوالب قانونية.
وكان بديهيّاً على الآباء المؤسِّسين للولايات المُتحدة، أحفاد أوروبا، أنْ يغرفوا من مُعين حضارات اليونان والرومان وعصر التنوير. فمن اليونان، أخذوا من أرسطو مبدأ دستورية الدولة، ومن الرومان، أخذوا من "ماركوس توليوس شيشرون"، واجبَ الدولة في خدمة الصالح العام، وحماية الملكية الخاصة، ومن عصر التنوير، أخذوا "العقد الاجتماعي"، من ""John Locke " و "Jean-Jacques Rousseau"، كما أخذوا مبدأ فصل السلطات من "مونتسكيو" ..
هذه المبادئُ، أَرست دعائمَ الحُكم الرشيد، وتَمَّ رَفدُها بما يُعرفُ بـ"نظام الضوابط والتوازُنات Checks and" Balances"، وفصل الدين عن الدولة ..، دلالةً على علمانية النظام السياسي. إلّا إنَّ الفضلَ في فرادة نجاح التجربة الأميركية، في مجتمعٍ مُتعدِّد الأعراق والديانات، يعودُ إلى نزاهة مؤسَّسات الإدارة، الساهرة على حُسن تنفيذ القانون، والمؤمنة بأنَّ "العدلَ أساسُ المُلك". ومع ذلك، ثمّةَ شعورٌ في الوجدان الجَمعي الأميركي، بأنَّه، إذا لم تكنْ الولاياتُ المتحدةُ دولةً مسيحيةً، فهي، في أسوأ الحالات، ذاتُ وجهٍ مسيحيٍّ.
ويبدو أنَّ انبهارَ العالم بالنموذج الأميركي، أبهرَ "العم سام" أيضاً، فقدَّمَ نفسَه ضامناً لقِيَم العالم الحرّ، ومُحامياً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما لا يتَّسِقُ مع سياقه التاريخي. إلّا أنَّ هذا لا يحجبُ بعضَ اللَّمعات المثالية، كمبادئ الرئيس "وودرو ولسون" الأربعة عشر للسلام، وتأسيس "عُصبة الأُمم" و"مُنظَّمة الأُمم المتحدة"، و"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، لدعم تلك القِيَم.
ومع انحسار الزعامة الأوروبية، في أعقاب الحربين العالميتين، خلت الساحةُ للولايات المتحدة، لِتَذَوُّق الزعامة العالمية، ما أعماها عن رُؤية الفجوة، بين شعاراتها البرّاقة وسياساتها التدخُّلية على الأرض، في انتهاك حقوق الإنسان واعتماد المعايير الإنتقائية "غبّ الطلب"، وتدبير الإنقلابات ودعم النُظُم الإستبدادية، على حساب حرية الشعوب ..، ما أفقدها مِصداقية المرجعية.
لقد بالغت الولاياتُ المتحدةُ كثيراً، في نقضها للمواثيق الدولية، وفي تهميشها لدور الأُمم المتحدة، لتُصبحَ نموذجاً لتَغَوُّل النزعة الإستهلاكية المادية، بالتضافُر مع توحُّش المكننة، وهيمنة لُغة الرقمنة والذكاء الإصطناعي. وكان طبيعياً أنْ يُخلِّفَ الشططُ في تسييد المادَّة وأولوية الـ"Business"، خواءً وُجودياً مُخيفاً، أفقدَ المرءَ قيمتَه الإنسانية.
مع هذا التحوُّل الخطير في نمط الحياة، كان لا بُدَّ للألَق من أنْ يعودَ إلى العائلة الأميركية المُحافظة، وهي تُعدُّ بعشرات الملايين، ما يُبرزُ حاجةَ المجتمع الأميركي، إلى تثمين العودة إلى القِيَمِ وتقاليد السلَف الصالح. فنموُّ الإدراك بمآلات خسارة الإنسان لصراعه مع المادَّة، بعثَ الروحانيةَ المُهشَّمةَ والمُهمَّشةَ، التي طالما تساءلَ الغارقونَ في أوهام الرفاهية، عن معنى الحياة والوجود، خارجَ ثقافة الإستهلاك. فمنذ سنواتٍ، تشهدُ الولاياتُ المتحدةُ، موجاتٍ من العُنف الفردي والأُسَري، كحالات الإنتحار والقتل الجماعي العشوائي، في المدارس والساحات، ترجمةً لحالات الضياع والقلق الوجودي، فضلاً عن الأزمات النفسية والإجتماعية.
ومحاكاةً لهذا الواقع المُزري، أظهرت الدراساتُ تراجُعاً في الإنسياق نحو المادة، مقابل العودة إلى الجذور الروحانية، من خلال التأمُّل والعودة إلى الدين أو اللُّجوء إلى المدارس الروحية الشرقية، بحثاً عن السكينة في زمن سطوة المادَّة، ومُداواةً للندوب التي تركتها عاديات التيه المادي، في الوجدان الأميركي.
وقد تكونُ عودةُ الرئيس ترامب القيصريةُ إلى الحُكم، رُغمَ ما رافق ولايتَه الأُولى من صخبٍ وتهديدٍ ووعيدٍ، مُؤَشِّراً على التحوُّل في المزاج الأميركي، نتيجةَ صمود القاعدة الجُمهورية المُحافظة وراءه. وفي ما يُشبه التقليد السنوي، شهدَ العالمُ قاطبةً، مطلع آذار الماضي، تحلُّقَ قساوسة قاعدته الصلبة حوله، في المكتب البيضاوي، وإمطارِه بالصلوات والتضرُّعات للّه، "من أجل البركة السماوية عليه".
استخدامُ لغة الإيمان، طلباً للبركة الإلهية في الأزمات، ليست غريبة على الرؤساء الأميركيين، لكنَّ الرئيسَ ترامب يُعدُّ أبرزَ من صرَّحَ بأنَّه مُرسلٌ بمهمَّةٍ إلهيَّةٍ، ودليلُه على ذلك نجاتُه من مُحاولات اغتياله، بـ"تدخُّلٍ إلهيٍّ، لجعل أميركا عظيمةً مًجدَّداً". وبدا لافتاً، ورُبَّما مقصوداً، تنظيمُ البيت الأبيض، برئاسة ترامب، صلاة جماعية لأركان إدارته ومُؤَيِّديه، ضمن احتفالات الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة، حيثُ خاطبَهم بمُقتطفات من "الكتاب المُقدَّس"، تذكيراً بفكرة تأسيسها على المبادئ المسيحية، ما اعتُبرَ نُزوعاً لإعلان "مسيحية أميركا".
لطالما انطوى ذِكرُ دين الدولة، في الدستور، على التمييز بين المواطنين، وعلى القصور عن السموِّ بالدين، إلى الإيمان بمحورية الذات البشرية، وبوحدانية قيمتها الفطرية، وبحقِّها غير المنقوص بالحياة الكريمة.
*سفير سابق