Search Icon

رواتب بالدولار للموظفين المحظوظين و«حجج مالية» للآخرين… أين العدالة في القطاع العام؟

منذ ساعة

سياسة

رواتب بالدولار للموظفين المحظوظين و«حجج مالية» للآخرين… أين العدالة في القطاع العام؟

الاحداث- كتبت ليلى خوري

في لبنان، لم تعد مسألة الرواتب مجرد أرقام تُدرج في جداول الموازنة، بل أصبحت مرآة واضحة لمدى اختلال العدالة داخل الدولة نفسها. فبين موظف في الإدارة العامة يكافح لتأمين أبسط مقومات الحياة، ومسؤول أو عضو في هيئة أو مؤسسة عامة يتقاضى آلاف الدولارات شهرياً، يبدو أن الدولة لا تعتمد معياراً واحداً في تقدير قيمة العمل والمسؤولية.

المفارقة أن الحكومة، حين يتعلق الأمر بموظفي القطاع العام الذين تآكلت رواتبهم بفعل انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع كلفة المعيشة، تتحدث باستمرار عن صعوبة الوضع المالي وضرورة مراعاة قدرة الخزينة. وفي المقابل، تكشف الأرقام المتداولة عن رواتب وتعويضات بالدولار لمواقع محددة في مؤسسات وهيئات عامة، تفوق بأضعاف ما يحصل عليه معظم موظفي الدولة.

وبحسب أرقام منشورة في تقرير للدولية للمعلومات، يصل الراتب الشهري لحاكم مصرف لبنان إلى نحو 26,700 دولار، فيما يتقاضى كل من نواب الحاكم الأربعة نحو 23,400 دولار، وتبلغ رواتب أعضاء هيئة إدارة قطاع البترول نحو 18,900 دولار للعضو. كما ترد أرقام تقارب 20 ألف دولار لأعضاء لجنة الرقابة على المصارف، و8000  دولار لرئيس الهيئة الناظمة للاتصالات و7000 دولار للعضو في حين أن موظفين في الهيئة تتراوح رواتبهم بين 13500 و9200 دولار. وهذه الأرقام تحتاج، بطبيعة الحال، إلى تدقيق رسمي وشفاف في مكوّناتها وما إذا كانت تشمل التعويضات والمخصصات والمزايا المختلفة.

المشكلة هنا ليست في أن يتقاضى صاحب المسؤولية راتباً يتناسب مع أهمية موقعه أو كفاءته. فمن الطبيعي أن تحتاج بعض المواقع النقدية والمالية والتنظيمية إلى خبرات متخصصة، وأن تكون رواتب شاغليها قادرة على استقطاب الكفاءات. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: أين الحد الفاصل بين الأجر العادل والتفاوت غير المبرر داخل الإدارة العامة؟

كيف يمكن إقناع موظف إداري أو أستاذ أو مهندس أو موظف في مؤسسة عامة بأن الدولة عاجزة عن تحسين راتبه، فيما هناك مواقع داخل القطاع العام تصل مخصصاتها إلى عشرات آلاف الدولارات شهرياً، إضافة إلى بدلات ومزايا وتعويضات مختلفة؟

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: ليست المشكلة في راتب موظف واحد، بل في غياب فلسفة موحدة وعادلة للأجور في الدولة اللبنانية.

فالموظف الذي أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في الإدارة العامة لا يمكن أن يبقى أسير راتب فقد الجزء الأكبر من قيمته الشرائية، ثم يُطلب منه في الوقت نفسه أن يتحمل مسؤولية انهيار الدولة المالية. وفي المقابل، لا يجوز أن تبقى بعض المواقع محصّنة برواتب وبدلات بالدولار من دون نشر واضح للأسس التي حُددت على أساسها هذه الأرقام.

واللافت أن الحكومة نفسها أقرت في شباط 2026 إعطاء موظفي الدولة والمتعاقدين ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين، في محاولة لمعالجة جزء من الانهيار الذي أصاب مداخيل القطاع العام.  كما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن الوضع المالي الذي ورثته الحكومة “صعب جدًا ومتراكم منذ سنوات طويلة”، في معرض شرحه لسياسة زيادة الرواتب والتعويضات.

لكن معالجة الانهيار لا تكون فقط بإضافة رواتب مؤقتة، ولا يمكن أن تقوم على مبدأ إعطاء فئة ما زيادات محدودة فيما تبقى فئات أخرى خارج أي معالجة جدية. المطلوب هو إعادة بناء سلم رواتب متكامل، يأخذ في الاعتبار المؤهلات والمسؤوليات وسنوات الخدمة والإنتاجية، ويطبق معايير واضحة على جميع المؤسسات والهيئات العامة.

كما أن الشفافية تصبح أمراً لا غنى عنه. فمن حق المواطن أن يعرف: كم تدفع الدولة لكل موقع؟ وما الراتب الأساسي؟ وما قيمة البدلات؟ وهل هناك رواتب إضافية أو تعويضات سفر أو سكن أو طبابة أو تعليم؟ وهل هذه المزايا منصوص عليها في القوانين والأنظمة أم أُضيفت بقرارات استثنائية؟

في بلد يعاني أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، لا يكفي أن تقول الدولة إن المال غير متوافر عندما يطالب الموظف بزيادة تحفظ له كرامته. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل وجود مواقع في مؤسسات عامة تحصل على مخصصات مرتفعة جداً من المال العام.

المطلوب ليس خفض رواتب أصحاب الاختصاص لمجرد خفضها، ولا مساواة جميع الوظائف ببعضها. المطلوب عدالة في توزيع المال العام، ومعيار واحد معلن، ورقابة حقيقية على كل راتب وتعويض ومخصص.

فالدولة التي تطلب من موظفها أن يتحمل الأزمة يجب أن تكون أولاً قادرة على أن تشرح له لماذا يتقاضى موظف آخر، في مؤسسة عامة أخرى، أضعاف راتبه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر أمام الحكومة ومجلس النواب ووزارة المالية: هل المطلوب إصلاح المالية العامة فعلاً، أم أن الإصلاح سيبقى محصوراً بالفئات التي لا تملك القدرة على التأثير؟

لأن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على الراتب نفسه، بل أن يكون الفارق بين الرواتب مبرراً بالقانون والكفاءة والمسؤولية، لا بالامتيازات وموقع الموظف داخل شبكة الدولة.