Search Icon

سؤال غراهام… اختبار للجيش أم إحراج للدولة؟

منذ ساعتين

سياسة

سؤال غراهام… اختبار للجيش أم إحراج للدولة؟

الاحداث- كتبت ليلى خوري 

لم يكن السؤال الذي وجّهه السناتور الأميركي ليندسي غراهام إلى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل خلال زيارته إلى واشنطن مجرّد استفهام عابر أو لحظة ارتجالية في مقابلة سياسية. فبحسب مصادر متابعة للزيارة، جاء السؤال في إطار مشهد مُعدّ سلفًا، هدفه وضع الموقف اللبناني الرسمي تحت المجهر، بل إحراجه، في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا: توصيف «حزب الله».

حين سأل غراهام ضيفه بشكل مباشر: «هل تعتبر حزب الله منظمة إرهابية؟»، كان يدرك مسبقًا طبيعة الجواب. فالرجل المعروف بخبرته الطويلة في شؤون الشرق الأوسط وباطلاعه على تعقيدات الواقع اللبناني، يعلم أن أي إجابة خارج السقف الرسمي للدولة اللبنانية غير ممكنة. من هنا، لم تكن الإجابة هي الهدف بحد ذاتها، بقدر ما كان المشهد السياسي الذي أُريد إخراجه.

جاء رد قائد الجيش واضحًا: «كلا، ليس في السياق اللبناني». إجابة أنهت المقابلة سريعًا، لكنها فتحت في المقابل بابًا واسعًا للتأويل السياسي. فهي عكست التزام هيكل بالموقف الرسمي للدولة اللبنانية التي تعتبر «حزب الله» شريكًا في الحكومة وصناعة القرار، رغم التباينات الحادة في المواقف الدولية حياله. وبينما رأى البعض في هذا الموقف تماهيًا ضروريًا مع الدولة ومؤسساتها، اعتبره آخرون إخفاقًا في مخاطبة المزاج الأميركي المتشدد.

مصدر متابع للزيارة يؤكد أن ما جرى لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم طويل من انعدام الثقة لدى غراهام ومقرّبين منه تجاه دور الجيش اللبناني، ولا سيما في منطقة جنوب الليطاني. ويشير المصدر إلى أن بعض العاملين في دوائر القرار الأميركي، وبينهم شخصيات من أصول لبنانية، ساهموا في تكوين هذه الصورة من خلال تقارير اتهمت قيادة الجيش بالتعاون مع «حزب الله» وبغياب الشفافية في التقارير المقدّمة إلى السلطات الأميركية، في محاولة للضغط على الدولة اللبنانية وإحراجها، وصولًا إلى طرح فكرة إقالة قائد الجيش باعتباره «غير منسجم مع متطلبات المرحلة».

هذا التوتر ليس جديدًا، إذ تعود بوادره إلى الخلاف السابق بين قائد الجيش ونائبة المبعوث الأميركي مورغان أورتاغوس، وتفاقم بعد إلغاء الزيارة الرسمية إلى واشنطن في تشرين الثاني 2025، عقب بيان صادر عن قيادة الجيش حمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد من دون تحميل «حزب الله» أي مسؤولية، ما أثار حينها انتقادات واسعة داخل الكونغرس الأميركي.

اليوم، يبدو المشهد الأميركي منقسمًا حيال لبنان. ففريق يرى ضرورة منح فرصة لتصحيح المسار وإعادة بناء الثقة، خصوصًا في ظل التحضيرات الجارية لمؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، والذي يحظى باهتمام أميركي. في المقابل، يعتبر فريق آخر أن التعاطي «المرن» مع «حزب الله» بعد التطورات الأخيرة غير مفهوم، ويرفض من حيث المبدأ توزير الحزب أو الفصل بين جناحه السياسي والعسكري.

في هذا الإطار، نجح غراهام في تسجيل نقطة سياسية لمصلحة هذا التيار المتشدد، مستخدمًا استحضار عملية «المارينز» لتعزيز موقفه داخل الإدارة الأميركية. إلا أنه، في المقابل، لم يتمكن من كسر الموقف الرسمي لقائد الجيش، الذي التزم بسقف الدولة اللبنانية، وإن بدا أن كلفة هذا الالتزام قد تكون مرتفعة على الصعيد الخارجي.

السؤال الأساس يبقى حول الصورة التي خرج بها قائد الجيش من هذا اللقاء، وانعكاسها على الدعم الدولي المرتقب للمؤسسة العسكرية، في وقت تُعد فيه مرحلة تنفيذ خطة شمال الليطاني من أكثر المراحل حساسية وخطورة.

المعطيات تشير إلى أن التقرير الذي قدّمه الجيش حول خطة شمال الليطاني، ورفضه الاشتباك مع «حزب الله» أو مع الأهالي لتنفيذ الخطة الرقم «2»، شكّل أحد أبرز عناصر التوتر. ومع إعلان الحزب عدم اعتباره معنيًا بتنفيذ أي خطة شمال الليطاني، وقراءته الخاصة للقرار 1701، تبدو مهمة الجيش شديدة التعقيد، فيما يلوح في الأفق خطر أزمة داخلية دقيقة قد تعيد خلط الأوراق.

وفي هذا السياق، ذهب مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية وعضو الحزب الجمهوري، توم حرب، في اتصال مع «الأحداث 24»، إلى حد الدعوة الصريحة لاستقالة قائد الجيش، معتبرًا أن غراهام ليس مجرد سناتور، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأميركية والمقرّبين من الرئيس دونالد ترامب، محذرًا من أن بقاء هيكل في موقعه قد يعرّض مؤتمر باريس ودعم الجيش اللبناني للخطر.

وكان حرب قد كتب على منصة «أكس» أن من أسباب ما اعتبره إخفاق زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، مرافقة العماد هيكل بالعميد سهيل بهيج حرب، رئيس استخبارات الجنوب وعضو آلية «الميكانيزم»، مشيرًا إلى أن الأخير يواجه اتهامات بتسريب معلومات إلى «حزب الله»، وقد أُدرج اسمه من قبل النائب الأميركي غريغ ستيوبي ضمن مشروع قانون PAGER Act لفرض عقوبات عليه. كما لفت إلى أن الجانب الأميركي امتنع عن أي تبادل معلوماتي مع الوفد اللبناني، مكتفيًا بالاستماع إلى عرض قائد الجيش، لتنتهي الزيارة بالموقف الحاد الذي عبّر عنه السيناتور غراهام.

بين اختبار الموقف وإحراج الدولة، وبين الحفاظ على التوازن الداخلي ومحاولة مخاطبة الخارج، يقف الجيش اللبناني مجددًا في قلب العاصفة. أما السؤال الذي لم يُطرح بعد بوضوح، فهو: هل يُطلب من المؤسسة العسكرية أن تدفع ثمن تناقضات السياسة، أم أن المطلوب من السياسة أن تحمي آخر أعمدة الدولة؟