الاحداث- أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن ما يجري التفاوض بشأنه ليس اتفاقية أو معاهدة، وإنما “إطار سياسي” (Framework) يحدد مسار المفاوضات، مشدداً على أن الهدف الأساسي منه يتمثل في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتأمين العودة الآمنة والكريمة لأهالي الجنوب إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، إلى جانب بسط سلطة الدولة اللبنانية بقواها الذاتية على كامل أراضيها.
وفي مقابلة مع قناة LBCI، أوضح سلام أن استخدام تعبير “اتفاق” يثير التباساً، لأن ما يجري التفاوض بشأنه ليس اتفاقية دولية ولا معاهدة تترتب عليها مفاعيل قانونية، بل إطار سياسي يتضمن التزامات سياسية ويشكل مرجعاً لتنظيم المفاوضات، لافتاً إلى أن المادة الثانية عشرة منه تنص على إبرام اتفاقات لاحقة، ما يؤكد أنه ليس اتفاقاً نهائياً.
وأشار إلى أن لبنان لم يخض هذه المفاوضات رغبة بها، بل نتيجة حربين وصفهما بـ”المغامرتين”، معتبراً أن الحرب الأولى، التي جاءت تحت عنوان “إسناد غزة”، أوقعت آلاف الضحايا وكلفت أكثر من سبعة مليارات دولار، فيما يُتوقع أن تتجاوز كلفة الحرب الثانية ثلاثة عشر مليار دولار، فضلاً عن آلاف الشهداء والجرحى، مؤكداً أن هدف الحكومة هو وقف النزيف وإنهاء الحرب عبر المسار التفاوضي.
وشدد على أن الإطار المطروح، إذا طُبق، سيؤدي إلى عودة نحو مليون ومئتي ألف نازح إلى منازلهم، وإلى انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية وإعادة إعمار القرى والمدن المتضررة، مؤكداً أن هذا هو المسار الوحيد الذي يتيح تحقيق هذه الأهداف.
وتوجّه إلى أبناء الجنوب نافياً ما وصفه بـ”الأضاليل” التي تتحدث عن عدم الانسحاب الإسرائيلي، موضحاً أن نص الإطار ينص صراحة على “إعادة انتشار إسرائيل إلى خارج الأراضي اللبنانية”، مع التشديد على عبارة “الأراضي اللبنانية” التي وردت مرتين في النص، بما يعني الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية.
ورداً على سؤال حول مدى اطمئنانه إلى تنفيذ إسرائيل الانسحاب، قال إنه غير مطمئن، لكنه يستند إلى النص الذي يتحدث بوضوح عن الانسحاب خارج جميع الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى أن الهدف هو تحقيق هذه النتيجة بغض النظر عن المصطلحات المستخدمة بين “إعادة الانتشار” و”الانسحاب”.
وأوضح أن غياب جدول زمني محدد لا يلغي وضوح الهدف، إذ إن الإطار يرسم مسار المفاوضات، فيما سيتم التفاوض في الجولة المقبلة على جدول زمني للانسحاب المتدرج والمتبادل، كاشفاً أن لبنان نجح في إدراج انسحاب إسرائيلي أولي من منطقتين تجريبيتين تمهيداً لاستكمال الانسحاب.
ورداً على وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري الإطار بأنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”، دعا سلام منتقدي الإطار إلى توضيح أسباب هذا التوصيف، معتبراً أن ما يطرح حالياً لا يتجاوز مرحلة الإطار التفاوضي، وأن الأولوية المقبلة ستكون لوضع جدول زمني واضح للانسحاب.
وأكد أن الإطار لا يذكر عبارة “وقف إطلاق النار” حرفياً، لكنه يستند إلى تفاهمات واتفاقات سابقة أرست وقف الأعمال العدائية، كما يستند إلى المرجعيات الأساسية، وفي مقدمتها القرار 1701 واتفاق الطائف واتفاقية الهدنة، حتى وإن لم تُذكر جميعها بالاسم.
وعن اتفاقية الهدنة، قال إنه يتفهم تمسك الوزير السابق وليد جنبلاط بها، إلا أن تطبيقها بصيغتها الحالية بات يحتاج إلى تحديث، فيما تبقى المبادئ التي قامت عليها مرجعية أساسية.
وشدد سلام على أن مطلب حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً إسرائيلياً، بل هو التزام لبناني منصوص عليه في اتفاق الطائف والقرار 1701 وإعلان وقف الأعمال العدائية، مؤكداً أن الدولة وحدها يجب أن تحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح.
واعتبر أن المقارنة مع اتفاق 17 أيار ليست في محلها، لأن ذلك الاتفاق فرض التزامات أمنية على لبنان، بينما يهدف الإطار الحالي إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بما يتيح الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
وفي ما يتعلق بمساري واشنطن وإسلام آباد، أوضح سلام أن هدف الحكومة من التحرك في واشنطن هو تثبيت حق الدولة اللبنانية وحدها في التفاوض باسم لبنان، نافياً أن يكون هذا المسار هروباً من أي مبادرة أخرى، ومشيراً إلى أن وقف إطلاق النار يرتبط بالأطراف التي تطلق النار.
وأكد أن البند الثالث عشر من الإطار لا يتضمن أي تنازل عن حقوق لبنان في ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، وإنما يعلّق استخدام بعض المسارات القانونية خلال فترة التفاوض إذا جرت بحسن نية، موضحاً أن الحكومة تواصل توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وأن نائب رئيس الحكومة طارق متري توجه إلى جنيف في هذا الإطار.
وأشار إلى أن الحكومة تستند إلى تعهدات أميركية ودولية لدعم إعادة الإعمار، مؤكداً أن المطلوب من لبنان يتمثل في بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل أراضيها، وليس تقديم تنازلات عن السيادة.
وأوضح أن إسرائيل تطالب بضمانات أمنية مقابل الانسحاب، لافتاً إلى أن مثل هذه الضمانات وردت أيضاً في اتفاق الهدنة والقرار 1701، وأن المطلوب عملياً هو تنفيذ ما كان يفترض بالدولة اللبنانية تنفيذه منذ سنوات.
وكشف أن المرحلة الأولى من تنفيذ الإطار تشمل انسحاباً إسرائيلياً من منطقتين تجريبيتين، تضم الأولى بلدتي زوطر الغربية وزوطر الشرقية، فيما تشمل الثانية عدداً من البلدات بينها فرون والغندورية، آملاً أن يبدأ هذا الانسحاب خلال أيام أو أسابيع.
وأكد أن التحقق من خلو المناطق من السلاح لن يكون بيد إسرائيل، وإنما عبر آلية رقابة معززة قد تضم طرفاً ثالثاً إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا، مع استمرار الدور الذي تؤديه قوات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
ونفى وجود أي طلب أو موافقة على انتشار قوات أميركية في لبنان، مؤكداً أن المشاركة الأميركية تقتصر على ضباط ضمن آلية المراقبة.
وأوضح أن رئيس الجمهورية هو المخول دستورياً التفاوض بشأن المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن يُعرض أي اتفاق نهائي على مجلس الوزراء، وإذا استوجب ذلك، على مجلس النواب.
وكشف أنه اتصل بالرئيس بري لشكره على مساهمته في منع انتقال الخلاف إلى الشارع، مشيراً إلى أن الطرفين متفقان على هدف الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة، وأن الحوار سيبقى قائماً.
وجدد التأكيد أن الحكومة ماضية في خطة حصر السلاح بيد الدولة، لكنها لا تسعى إلى مواجهة مع حزب الله، وإنما ترفض في الوقت نفسه أي ابتزاز أو تهديد بالحرب الأهلية، مؤكداً أن تنفيذ هذه الخطة تأخر أكثر من ثلاثة عقود منذ اتفاق الطائف.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل بالتعاون مع شركاء دوليين لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، بما يمكنه من الانتشار في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وضبط الحدود، وتنفيذ خطة حصر السلاح تدريجياً.
وأكد أن الحكومة وضعت خططاً لإعادة الخدمات إلى المناطق التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، موضحاً أنه تم إعداد خطة لإعادة تشغيل نحو 90 في المئة من شبكة الاتصالات خلال عشرة أيام من الانسحاب، إضافة إلى تجهيز بيوت جاهزة للأهالي الذين دمرت منازلهم وتأمين التمويل اللازم لترميم الأبنية القابلة للإصلاح.
وختم سلام بالتأكيد أن معيار نجاح الحكومة يتمثل في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة أبناء الجنوب إلى قراهم، وإطلاق إعادة الإعمار، بالتوازي مع تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية، معتبراً أن لبنان أمام فرصة جديدة لا يجوز إضاعتها.