Search Icon

سوريا ولبنان:
الحِكمةُ في الإحتكامِ إلى أَحكامِ الجغرافيا!

منذ ساعة

سياسة

سوريا ولبنان:
الحِكمةُ في الإحتكامِ إلى أَحكامِ الجغرافيا!

الاحداث - كتب فيكتور الزمتر*

لا غرابةَ بأنْ تخطفَ زيارةُ وزير خارجية سوريا، السيد أسعد الشيباني، أنظارَ الشعب اللُّبناني، حاملاً رسالةَ طمأنةٍ، بأنَّ لا تدخُّلاً في الشؤون الداخلية، بعد اليوم، بل استعداداً للتعاون بين البلدين. تقاطُعت الزيارة مع جُملة تطوُّراتٍ، شغلت اللُّبنانيين الباحثين عن مسندٍ آمنٍ، يَقِيهم تناسُلَ عاديات الزمن الرديء. المؤسفُ أنَّ زيارتَه لم تقتصر على المرجعيات الرسمية، فقط، بل تعدَّتها إلى الأحزاب المُتزلِّفة.

أهميةُ الزيارة تتأتَّى، تلقائياً، من المُعطى الجغرافي الذي أملى على الحيِّزين، اللُّبناني والسوري، مُعايشةَ حقباتٍ من التاريخ المُشترك، بحلوها ومُرِّها، على مدى قرونٍ، وإنْ احتفظَ كلٌّ منهما ببعض التمايزات، الناتجة عن مفاعيل البيئة الجغرافية والخلفية المُجتمعية. فالناظرُ إلى الخريطة اللُّبنانية السورية، يقعُ على ما يُشبهُ المستطيلَ الجغرافيَّ المُتكاملَ، لجمعه الجبلَ والسهلَ والصحراءَ، ومُتوَّجاً بواجهةٍ بحريةٍ مُطلَّةٍ على الأُفُق الأوسع.

قياساً على هذا القَدَر الجغرافي التاريخي، يتوقَّعُ المنطقُ أنْ تكونَ العلاقاتُ السوريةُ اللُّبنانيةُ، في قمَّة التكامُل التوأمي، مع الأخذ بالإعتبار تطلُّعات الشعبَين، إلى منسوب الحرية والإنفتاح والنماء. إلّا إنَّ العقلَ السقيمَ، غالباً ما خيَّبَ توقُّعاتَ العقل السليم، بدليل حالات المدّ والجزر، التي وسَمَت العلاقاتَ الثُنائيةَ، لا سيَّما منذُ تحرُّرِهما من السلطنة العثمانية. ومع أنَّ اليدَ الطُولى كانت لِمقصِّ الإستعمار، في تجزئة المشرق وشرذمة شعوبه، استبدَّت في الأذهان سرديةُ سلخ لبنان عن سوريا. ومنذ ذلك الوقت، والزغلُ يتحكَّمُ بمسار العلاقات، ما منعَ إقامةَ علاقات دبلوماسيةٍ، بينهما، لِعقودٍ، رُغم استقلالهما.

إنَّ كِلا البلدَين يُشكِّلُ عُمقَ الآخر، لجهة تداخُلهما المُجتمعي، ومصالحهما المشتركة، لاسيَّما أنَّ سوريا تُعتَبَرُ معبراً بريّاً إلزاميّاً للمنتوجات الزراعية والصناعية اللُّبنانية إلى الداخل العربي، بقدر ما يُمثِّلُ لبنان إحدى واجهات سوريا على الغرب. إلّا إنَّ الأنظمةَ قلَّما أعطت اهتماماً، لهذا التداخُل المصلحي، وإبقائه بمنأى عن التجاذبات السياسية.

فقد كانَ نظامُ الحزب الحاكم في دمشق، يعتبرُ لبنانَ، بحُكم نظامه الحرّ، ساحةً لتآمر المُعارضين السوريين عليه، لدى لجوئهم إلى لبنان هرباً من المُلاحقات. وهذا ما كان يحدو بالحُكّام السوريين، إلى الضرب على العصب اللُّبناني الحسّاس، باللُّجوء إلى إقفال الحدود بوجه الصادرات اللُّبنانية.    

منذ قيام لبنان، لم يتوقَّف التجاذُبُ السياسي، بين البلدين، ابتداءً من المُطالبة باستعادة الأقضية الأربعة، وانتهاءً بإخضاع لبنان لوصايةٍ سوريةٍ صارمةٍ. وللإنصاف، شاركَ السياسيون اللُّبنانيون، بنكدهم وتزلُّفهم واستقوائهم على بعضهم، بإقامة هذه الوصاية وإدامتها لعدَّة عُقودٍ.

مع انتهاء عصر الوصاية، عام 2005، غرقت سوريا بحربها الأهلية، لغاية 8 ديسمبر 2024، حيث تمكنَ الثوارُ، من قلب نظام الحُكم. استلمَ السلطةَ الجهاديُّ أحمد الشرع، رئيساً انتقالياً، على بلدٍ مزَّقته الصراعاتُ العرقيةُ والطائفيةُ والمذهبيةُ. ولم تبخلْ التدخُّلاتُ الإقليميةُ والدوليةُ، بصبِّ الزيت على النار، ما أدّى إلى تقسيم البلاد إلى إقطاعاتٍ ومناطقَ نُفوذٍ، غرباً وشرقاً. وكان للُّبنانيين حصَّةٌ وازنةٌ بتأزيم الوضع، ما تسبَّبَ بإزهاق مئات الآلاف، من الضحايا والمُشرَّدين.

أما الآن، فقد خرجَت سوريا من لبنان، بعد أنْ تركته يباباً، قبل أن يتغيَّرَ نظامُها، تاركاً البلادَ خلفه قاعاً صفصفاً. وبالرُّغم من تسيُّب الأوضاع الطائفية، التي أعقبت سقوطَ النظام السابق، تعيشُ سوريا، اليوم، استقراراً نسبياً، بفضل الدعم الدولي الحاضن. ذلك التسيُّبُ، أقنعَ النظامَ الجديد بتشغيل العقل البراغماتي، طمعاً بإشاعة الإستقرار، جذباً للمساعدات والإستثمارات الخارجية، للنهوض بالبلاد.

ليست خافيةً الخلفيةُ العقائديةُ للنظام السوري الحالي، بقدر ما ليست خافيةً ولادتُه من تداخُل المخاض الداخلي بالمطامع الخارجية المعهودة، في بلاد الشام. وإذا كانَ من المستحيل، تغييرُ الجلد بين ليلةٍ وضُحاها، فثمَّةَ ضرورةٌ للتماهي مع متطلِّبات المظلَّة الخارجية، مع الحرص على استدرار الدعم الخليجي.

تعاني سوريا ولبنانُ، من ضريبة موقعهما في قلب الهلال الخصيب، بين الأُفُق الأزرق والصحراء العامرة بالموارد، وعلى تقاطُع الطرق بين ثلاث قارات. إنَّ مُجرَّدَ إدراكَ هذا المُعطى الجذّاب، يستوجبُ من اللُّبنانيين والسوريين، أنْ يُوحِّدوا صًفوفَهم، ويُحدِّدوا مصالحَهم، بما يُحرِّرُهم من المركب الخشن الذي يقبعون فيه، منذ عُقود، والإنطلاق نحو الإنعتاق من "تابوهات" العرق والدين، لأنَّ ما يجمعُهم أهمُّ بكثيرٍ ممّا يتصوَّرون، خطأً، أنَّه يُفرِّقَهم.

ولعلَّ قادةَ إسرائيل، يسارهم قبل يمينهم، يُدركون أنَّ لبنانَ وسوريا، يُشكِّلان رئتا الهلال الخصيب، مع امتداداته الفلسطينية والعراقية، بقدر ما يُشكِّلُ هذا الهلالُ، قلبَ المشرق النابضَ وعقلَه النابغةَ. كما يُدركُ الإسرائيليون، أنَّ السيطرةَ على المشرق، لا تتمُّ بدون استهداف وشرذمة هذين البلدَين المُتكاملَين، في سياق استراتيجية بلقنة جوارهم.

فأُسلوبُ إسرائيل، في لبنان وسوريا هو واحدُ، لجهة تحريض مُكوِّناتهما الاجتماعية، واللَّعب على الوتر العرقي والطائفي والمذهبي. وعلى ضوء ما خبرَه السوريون، منذ عشرات السنين، من تحريض إسرائيل للأكراد على دولتهم، ومن استكمال سيطرتها على كامل مُرتفعات الجولان، وتحريضها السافر في السويداء، تيقَّنوا من الدور الإسرائيلي، المُعيق لتوحيد بلادهم.

ولكن، من حُسن الطالع، أنَّ القيادةَ السوريةَ الجديدةَ، قد أظهرت قدراً من المسؤولية الواعية، من خلال عدم تجاوبها مع الدعوات، لِلَعبَ دورٍ في الكباش الدائر في لبنان، حول حصرية السلاح. ولا يُستبعدُ أنْ تكونَ تركيا، المُتحسِّسَة من نوايا إسرائيل التوسُّعية، قد لعبت دوراً في عدم التورُّط في لبنان، نظراً لمحاذيره في تأجيج الحساسيَّة السنيَّة الشيعية.

وعليه، يُؤملُ من سوريا ولبنان، على ضوء اكتوائهما من تدخُّلاتهما بشؤون بعضهما البعض، استقاءَ حكمة الإتعاظ من أحكام الجغرافيا، التي تنصحُ بحُسن الجوار والتعاون المنفعي، لما فيه خيرُ البلدين. فـ"لبنانُ وسوريا، (يقولُ سعيد عقل) توأمان في الجمال والحضارة، إنْ تَنَفَّسَت الشامُ عبقَ الياسمين، شَمَّه لبنانُ في جباله".

*سفير سابق