الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: لا يمكن النظر إلى الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان بوصفها مجرد محطة دبلوماسية عادية أو استكمالاً لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق قبل أسابيع فقط. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الدوحة، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، والتصعيد الأمني المستمر في جنوب لبنان، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية.
ولعل أكثر ما منح هذه الزيارة أهميتها أنها جاءت بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأوحت بإمكان أن يكون لسوريا دور في معالجة بعض الملفات اللبنانية الحساسة، وفي مقدّمها ملف سلاح "حزب الله". غير أن القيادة السورية سارعت إلى إغلاق باب التأويل، عندما أكد الرئيس أحمد الشرع بصورة واضحة أن سوريا الجديدة لا تنوي إرسال أي قوات إلى لبنان، وأن زمن التدخلات العسكرية والسياسية الذي ارتبط بالنظام البائد أصبح من الماضي، وأن دمشق تتعامل مع لبنان باعتباره دولة ذات سيادة كاملة، لا ساحة نفوذ ولا صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذا الموقف لم يكن تفصيلاً سياسياً، بل شكل الرسالة الأساسية التي حملها الشيباني إلى بيروت، وترجمها في لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، والرئيس وليد جنبلاط، ومع مختلف المرجعيات السياسية والروحية اللبنانية. ففي كل هذه اللقاءات برزت مفردات جديدة تكاد تكون غابت عن العلاقات اللبنانية – السورية لعقود طويلة: الاحترام المتبادل، السيادة، عدم التدخل، حسن الجوار، الشراكة الاقتصادية، والتعاون المؤسسي.
وقد بدا واضحاً أن الرئيس عون أراد استثمار هذه اللحظة لإعادة تثبيت قواعد العلاقة المستقبلية بين البلدين، فأكد أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع سوريا، ولكن ضمن مفهوم الدولة للدولة، بعيداً عن أي وصاية أو تدخل متبادل، مع التشديد على أهمية التنسيق الأمني لضبط الحدود، ومنع التهريب، ومواجهة الإرهاب، لأن استقرار سوريا يصب في مصلحة لبنان، كما أن استقرار لبنان يشكل مصلحة مباشرة لسوريا.
في المقابل، أكد الشيباني أن دمشق تطوي نهائياً صفحة الماضي، ولا تريد استعادة أي من ممارسات النظام السابق، بل تسعى إلى بناء علاقة صحية ومستدامة مع جميع اللبنانيين، وإلى تحويل الجغرافيا المشتركة من مصدر للأزمات إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والتبادل التجاري وإعادة الإعمار.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتوج الزيارة بتوقيع الاتفاق على إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، وهي خطوة تتجاوز رمزيتها السياسية إلى بعدها العملي، لأنها تنقل العلاقة الثنائية من الاتصالات الظرفية إلى إطار مؤسساتي دائم، يضم الوزراء المختصين ويتابع الملفات الاقتصادية والأمنية والإدارية بصورة منتظمة. وهذا التطور قد يكون، إذا أحسن استثماره، بداية لمرحلة جديدة تعيد للبنان عمقه العربي عبر البوابة السورية، وتفتح أمام سوريا نافذة إضافية على الاقتصاد العربي والبحر المتوسط.
لكن اللافت في هذه الزيارة لم يكن فقط لقاءات الرؤساء الثلاثة، بل أيضاً الجولة الواسعة التي قام بها الشيباني على المرجعيات السياسية والدينية، في مشهد غير مسبوق منذ سنوات طويلة. فقد قصد عين التينة، ثم كليمنصو، وبكركي، ودار الفتوى، والصيفي، ومعراب، وصولاً إلى طرابلس، في رسالة واضحة مفادها أن سوريا الجديدة تريد مخاطبة جميع اللبنانيين، وأنها لا ترغب في إعادة إنتاج سياسة المحاور والانقسامات التي طبعت المرحلة السابقة.
وفي هذا السياق، استوقف المراقبين خصوصاً لقاءا عين التينة وكليمنصو، لما يحمله الرجلان اللذان التقاهما الشيباني من رمزية سياسية وتاريخية. فالرئيس نبيه بري، الذي كان طوال العقود الماضية من أبرز الداعين إلى الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع سوريا، عاد ليختصر هذه الحقيقة بعبارته الشهيرة: "إما سوريا أو البحر". وهي عبارة تتجاوز بعدها البلاغي، لتعكس حقيقة الجغرافيا والاقتصاد معاً، إذ لا يستطيع لبنان، مهما تبدلت التحالفات، أن يلغي ارتباطه الطبيعي بسوريا، بوصفها معبره البري الوحيد نحو العمق العربي.
أما الرئيس وليد جنبلاط، الذي كان أول المحتفلين بسقوط النظام السابق وأول من هنأ الرئيس الشرع وزاره على رأس وفد كبير في دمشق، فأكد أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وبحث مع الشيباني في آفاق تطوير العلاقات الثنائية بين سوريا ولبنان بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التعاون بين البلدين.
وقال: "في الإطار التاريخي، لا بد من التأكيد على العلاقات الجيدة والمتوازنة بين لبنان وسوريا. أما بالنسبة إلى البعض في الداخل اللبناني الذين لم يفهموا بعد، أو لا يريدون أن يفهموا، أن نظام بشار الأسد البائد قد انتهى، فهذا أمر غريب"، مضيفاً: "علينا اليوم أن نفتح علاقات جديدة سياسية، واقتصادية، وأيضاً استراتيجية مع سوريا".
ورداً على سؤال حول الضمانات بشأن عدم التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، أجاب جنبلاط حاسماً: "لقد انتهينا من مسألة التدخل السوري. ولكن، بين العلاقة المتوازنة، والمقبولة، والموضوعية مع سوريا، وبين أي اتفاق قد يؤدي إلى ما هو أسوأ من اتفاق 17 أيار 1983، فإنني حتماً أفضّل العلاقة المتوازنة والمعقولة مع سوريا، ولا أؤيد أي اتفاق يكون بمثابة 17 أيار جديد".
وعندما تلتقي مقولة بري مع موقف جنبلاط، رغم اختلاف التجربتين، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحاً: لبنان لا يستطيع أن يدير ظهره لسوريا، كما أن سوريا الجديدة لا تستطيع أن تستعيد أساليب الماضي. وما بين العبارتين يولد مفهوم جديد للعلاقة بين البلدين، عنوانه الندية، والسيادة، والمصلحة المشتركة.
ولا تقل أهمية عن ذلك زيارة الشيباني إلى بكركي، حيث التقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في محطة حملت أبعاداً وطنية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تعكس حرص دمشق على مخاطبة مختلف المرجعيات اللبنانية، وإيصال رسالة بأن سوريا الجديدة لا تميز بين مكونات لبنان، بل ترى فيه شريكاً كاملاً في بناء الاستقرار الإقليمي.
كما أن زيارته إلى طرابلس حملت هي الأخرى دلالات تتجاوز بعدها الجغرافي. فطرابلس كانت إحدى أكثر المدن اللبنانية تأثراً بالحرب السورية، وتحولت خلال سنوات طويلة إلى عنوان للتوتر الأمني والسياسي. واليوم أرادت دمشق أن تجعل منها رمزاً للمصالحة والانفتاح، وأن تؤكد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة التنمية والتكامل الاقتصادي، لا مرحلة النزاعات.
وفي موازاة هذا الانفتاح اللبناني – السوري، انعقد مجلس الوزراء في جلسة اكتسبت أهمية خاصة، أقر فيها الاتفاقية الخاصة بإنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، بما يعكس وجود توافق رسمي على إعطاء العلاقات مع دمشق بعداً مؤسساتياً جديداً، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي لاستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة.
إلا أن هذا الحراك السياسي يجري في ظل واقع أمني شديد التعقيد. فالجيش الإسرائيلي يواصل خروقه اليومية، ويعمد إلى تثبيت معادلة جديدة في الجنوب تقوم على ما بات يوصف بـ"الحرب منخفضة الوتيرة"، عبر الغارات المحدودة، وعمليات التفجير، والتوغلات الموضعية، وإنشاء بنى عسكرية تعكس نية واضحة بإطالة أمد وجوده في بعض المناطق الحدودية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
وفي الوقت نفسه، جاء الانفجار الذي شهدته دمشق ليذكر بأن سوريا نفسها لا تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة، وأن القوى الساعية إلى منع استقرارها لم تتراجع بعد. وهذا يعني أن نجاح أي مشروع لبناني – سوري جديد يبقى مرتبطاً بقدرة الدولتين على حماية استقرارهما الداخلي، ومنع تحويل أراضيهما إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية.
أما إقليمياً، فإن الأنظار لا تزال تتجه إلى الدوحة، حيث تتواصل المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. وسجلت الاجتماعات الفنية الأخيرة بعض التقدم، إلا أن القضايا الجوهرية لا تزال معلقة، فيما تستمر الرسائل العسكرية المتبادلة في الخليج، ويستمر التوتر حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، يصعب معها توقع تسويات نهائية في المدى القريب.
وسط هذه الصورة المعقدة، يبدو لبنان أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه الإقليمي. فالعلاقة الجديدة مع سوريا، إذا قامت فعلاً على قاعدة الاحترام المتبادل والمؤسسات، يمكن أن تشكل مدخلاً للبنان لاستعادة دوره الاقتصادي، وفتح الأسواق العربية، وتطوير مشاريع النقل والطاقة، وإعادة وصل لبنان بعمقه الطبيعي. لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بإرادة سياسية صلبة لدى الجانبين، وبقدرتهما على تجاوز ذاكرة السنوات الثقيلة، والانطلاق نحو شراكة حقيقية لا تقوم على موازين القوة، بل على المصالح المشتركة.
إن زيارة الشيباني لم تكن مجرد زيارة وزير خارجية إلى دولة مجاورة، بل كانت إعلاناً عن بداية اختبار سياسي كبير: هل يستطيع لبنان وسوريا، للمرة الأولى منذ عقود، بناء علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، لا بين وصي وموصى عليه، ولا بين خصمين دائمين؟
الإجابة لن تصنعها البيانات المشتركة، بل الأيام المقبلة، وما إذا كانت اللجنة العليا المشتركة ستتحول إلى مؤسسة منتجة، وما إذا كان التعاون الاقتصادي سيصبح حقيقة، وما إذا كان الأمن على الحدود سيترجم إلى استقرار دائم، وما إذا كانت المنطقة بأسرها ستنجح في الانتقال من منطق إدارة الحروب إلى منطق صناعة السلام.
إنها لحظة تاريخية بامتياز، قد تفتح الباب أمام مشرق جديد، أو تعيد إنتاج أزمات الماضي بثوب مختلف. وبين الاحتمالين، يبقى الرهان على حكمة القيادات، وعلى قدرة شعوب المنطقة على تحويل الجغرافيا من لعنة سياسية إلى فرصة للتكامل والتنمية، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالشراكات التي تصمد أمام اختبار الزمن.