الاحداث- كتبت صحيفة "نداء الوطن" تقول: فيما تحتفل الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، تمضي الدولة اللبنانية في معركة تثبيت استقلال قرارها السيادي، غير آبهة بحملات التخوين والتشكيك التي يشنّها "حزب الله". وتشير المعطيات إلى أن قطار "صيغة الإطار"، المنطلق من بلاد الفرص و"الحلم الأميركي" التي فتحت أبوابها أمام أجيال من اللبنانيين، قد تجاوز محطة الرعاية السياسية إلى محطة ترتيب آليات التنفيذ، بما يجعل محاولات تعطيله أقرب إلى معركة تأخير منها إلى قدرة فعلية على وقف المسار.
لجنة جديدة بدل "الميكانيزم"
في هذا السياق، علمت "نداء الوطن" أن الاتصالات الهادفة إلى التطبيق، تقودها واشنطن حاليًا، على أن تُستكمل التحضيرات النهائية لانطلاق العمل. وفي هذا الإطار، عيّنت واشنطن رئيس لجنة "الميكانيزم"، الجنرال جوزيف كليرفيلد، ممثلا للجانب الأميركي، على أن يتولى رئاسة اللجنة الجديدة، في خطوة تعني انتهاء دور "الميكانيزم" وحلول هذه اللجنة مكانها. من جهتها، ستسمّي قيادة الجيش اللبناني ضابطًا لتمثيلها، وكذلك الجيش الإسرائيلي من جهته. أما موعد انطلاق العمل ميدانيًا، فسيُحدَّد عند اكتمال الترتيبات، على أن يُعلن قريبًا.
ورسميًا، يواصل رئيس الجمهورية جوزاف عون تحصين موقع لبنان بهدوء وصلابة. وقد بدت مواقفه المتتالية بمثابة تمهيد سياسي لزيارته المرتقبة إلى واشنطن، إذ حرص على تقديم "صيغة الإطار" كما هي: إطار تفاوضي لا اتفاق نهائي، ومدخل إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي لا غطاء لاستمراره. ومن هنا جاء سؤاله في مكانه: كيف يمكن للجيش اللبناني أن يبسط سلطته على كامل الأرض في ظل بقاء الاحتلال؟ بهذا المعنى، يردّ الرئيس بنقاش منطقي وعقلاني وواقعي على عبثيات "الممانعة" ومزايداتها الفارغة من أي إنجاز ميداني.
واعتبر الرئيس عون خلال استقباله عددًا من الوفود زارته أمس، في قصر بعبدا، أن القوة ليست فقط في القدرة على خوض الحرب أو تأمين استمراريتها، بل في شجاعة إنهائها من خلال التفاوض، الذي هو معركة من دون إراقة دماء، بينما الحرب تفاوض بالدماء. وإذ رأى أن المشكلة تكمن لدى البعض في القرار السيادي الذي اتخذناه، والقاضي بفصل مسارنا عن المسار الإيراني - الأميركي، سأل: ما مفهوم هذا البعض للسيادة؟ وعن أي سيادة يتحدث؟ مشدّدًا على "أننا بلد سيادي ولديه القدرة على حل مشاكله، لكن للأسف اعتاد البعض أن يكون تحت الوصاية التي تتحكم بنا وتقرر عنا وتفاوض علينا. لا! لقد انتهينا من هذا الأمر".
إلى ذلك، أكدت مصادر رسمية لـ"نداء الوطن" أن كل ما يقوم به رئيس الجمهورية يهدف إلى حماية الجنوب والبلد، ومنع التهجير والتدمير. فهو من يقود المفاوضات وفق الدستور، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وشددت المصادر على أن كل ما يُقال عن أن الرئيس والقرار السياسي في جهة، وقرار قيادة الجيش اللبناني في جهة أخرى، غير صحيح، وهو يندرج في إطار محاولات سامة لرمي بذور الخلاف. فعندما تنتهي عملية وضع خطة العمل الخاصة بالمناطق التجريبية النموذجية، سيطبّقها الجيش، سواء كانت شمال الليطاني أو جنوبه. أما محاولة الإيحاء بأن الجيش سيمتنع عن التنفيذ، فغير صحيحة، لأن القيادة العسكرية وبقية الأجهزة الأمنية ملتزمة بما يقرره الرئيس والسلطة السياسية. وأكدت المصادر أن الجيش هو أول من يريد استعادة السيادة، إذ ليس من المنطقي القبول بأن يشاركه أي طرف آخر مسألتي السلاح والسيادة على الأراضي اللبنانية.
في الغضون، عرض رئيس مجلس النواب نبيه بري مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، للمستجدات لاسيما الأمنية منها، إضافة إلى أوضاع المؤسسة العسكرية.
حضور بميزان الجوهرجي
وفي سياق متصل بالفصل بين مقتضيات العلاقات الدبلوماسية وموقف لبنان السيادي، أوضح مصدر رسمي لـ"نداء الوطن"، ردًا على الانتقادات التي طالت مشاركة وزير الدفاع ميشال منسّى في تشييع خامنئي، أن هذه المشاركة تأتي في إطار حضور جنازة رجل دين ومرشد، وليست مشاركة سياسية، كما أن وزير الدفاع لم يذهب لإجراء محادثات. كذلك، فإن الدولة اللبنانية نعت خامنئي، وما تزال هناك علاقات دبلوماسية قائمة مع إيران.
وأكد المصدر أن هذا الحضور لا يؤثر في موقف لبنان الرسمي، الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية يوميًا، والرافض لانتهاك إيران سيادة لبنان، والمصرّ على بسط سلطة الدولة. كما أشار إلى أن دولا عربية مؤثرة شاركت في الجنازة، وأن لبنان ملتزم السقف العربي في كل الأمور.
وعن اختيار وزير الدفاع لتمثيل لبنان، أوضح المصدر أن وزير الدفاع يمثّل الدولة اللبنانية، وأنه لم يكن ممكنًا إرسال وزير الخارجية أو رئيس الحكومة لأسباب معروفة، ولكي لا تُعطى المشاركة طابعًا سياسيًا. وبالتالي، فإن الحضور اللبناني قيس بميزان الجوهرجي، وبقيت حدوده محصورة في المشاركة في الجنازة.
وعلى خط إقليمي متصل، يستعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء زيارة رسمية إلى دمشق، ستكون الأولى لرئيس دولة أوروبي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد. وتأتي الزيارة، قبيل قمة حلف شمال الأطلسي، في إطار إنهاء قطيعة دبلوماسية استمرت نحو 18 عامًا. وتشير مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن استقرار لبنان وسيادته سيكونان من الملفات الأساسية المطروحة بين الجانبين، بما يعكس دورًا جديدًا للبنان وسوريا في المشهد الإقليمي الذي يشق طريقه نحو مسارات السلام والتنمية والاقتصاد.
"من كلامهم تعرفونهم"
أما على جبهة "الممانعة"، ووفق ما تكشفه لغة الناطقين باسمها حيث "من كلامهم تعرفونهم، ومن منطقهم تدركون أي صورة يريدونها للبنان"، صوّب المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان سهامه على "صيغة الإطار"، واصفًا إياها بأنها "صيغة صهينة أخطر من اتفاق 17 أيار، وسقوط وطني تاريخي لن يمرّ مهما كان الثمن". كما طالب رئيس الجمهورية بالتراجع عنها، واعتبر السلطة "استسلامية" و"متواطئة"، داعيًا في المقابل إلى تكريس شراكة أمنية بين الجيش و"المقاومة"، وجاعلًا من عين التينة مدخلًا وحيدًا للحلول.
وتعليقًا على كلام قبلان، أعرب مرجع شيعي معارض لـ"نداء الوطن" عن أسفه لصدور هذا الخطاب وهذه اللغة عن مرجع روحي ديني، لافتًا إلى أن المرجعيات والمواقع الروحية الأخرى لم تنزلق إلى هذا الدرك، بل حافظت على مستوى عالٍ من المسؤولية والرصانة الأخلاقية والخطابية في بلد تعددي، بعيدًا من لغة التخوين ورمي الآخرين بتهم الخيانة. ورأى المصدر أن هذا النوع من الخطاب بات يستدعي مراجعة طارئة وجديّة داخل البيئة الدينية - السياسية لهذا المحور، بعدما تحوّل الاعتراض السياسي إلى قاموس اتهامي لا يليق بموقع ديني ولا يخدم منطق الدولة.