الأحداث- ترأس بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي الصلاة الجنائزية عن نفس المرحوم طارق الياس المقدسي في كنيسة القديس يوحنا الذهبي الفم في مطرانية بيروت للروم الكاثوليك ،عاونه المطران ادوار جاورجيوس ضاهر ولفيف من الكهنة .مثل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون مستشاره الزميل جان عزيز. وحضر حشد من الوزراء والنواب والاعلاميين وهيئات دبلوماسية وقضائية وامنية واقتصادية ونقابية اضافة الى اهل الفقيد واصدقائه .
بعد الانجيل المقدس القى البطريرك العبسي عظة قال فيها : بإيمان راسخ بمشيئة الرب، ورجاء حيّ بالقيامة المجيدة، نجتمع اليوم في هذه الصلاة الجنائزيّة الخاشعة لكي نودّع ابننا الراحل طارق، الذي انتقل إلى الأمجاد السماويّة مستعيدًا الصورة الإلهيّة التي خُلق عليها بعد مجاهدة حثيثة.
نجتمع اليوم من حول فقيدنا لنعبّر عن محبّتنا له. صلاة المسيحيّين بعضهم لبعض هي تعبير عن محبّتهم بعضهم لبعض لأنّ الصلاة هي خيرٌ لمن يقدّمها ولمن تقدّم من أجله في آن واحد. إنّ أكبر هديّة يسع المسيحيّ أن يقدّمها لقريبه أو غير قريبه هي أن يصلّي من أجله. لذلك، عملاً بوصيّة الرسول بولس، لا تترك الكنيسة في صلواتها أحدّا أو فئة من الناس إلاّ وتذكره.
اجتماعنا الآن هو أيضًا دليل إيماننا بالقيامة. إنّ كلّ مرّة نصلّي فيها من أجل راقد بالربّ تكون صلاتنا تعبيرًا عن إيماننا بأنّ الحياة لا تنتهي هنا، بأنّ الحياة هي أقوى من الموت، بأنّ دعوة الإنسان دعوة إلى الخلود، إلى الحياة مع الله تعالى الأزليّ. "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَإن مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يوحنّا ١١: ٢٥) إنّ الصلاة على الميت ومن أجل الميت يجب أن تكون لنا فرصةً لنعود إلى قاعدة إيماننا المسيحيّ هذه، ألا وهي قيامة السيّد المسيح من بين الأموات، تلك القيامةُ التي تجعلنا، إنّ حزنّا، لا نحزن كباقي الناس الذين ليس عندهم مسيح قائم من بين الأموات، تلك القيامةُ التي تلقي في قلوبنا مسحة من الفرح والطمأنينة والسلام. أجل نحن هنا لأنّنا نؤمن بالقيامة، بقيامة يسوع وبقيامتنا.
وإنّ اجتماعنا اليوم هنا هو دليل على رجائنا بأنّ هذا الذي نصلّي من أجله، بأنّ طارق قد بلغ إلى القيامة بالرغم من العثرات والأوهان التي حدثت له في حياته. فنذكّر السيّد بأنّه ليس من إنسان يحيا ولا يخطأ، وبأنّه هو رحيم غفور نادم على خطايا الناس. إنّ رجاءنا هو أمنية نقولها للسيّد المسيح: إنّنا نريد أن يكون هذا الذي نحبّه حيث هو، أي حيث يسوع. صلاتنا هي فعل رجاء بقول السيّد: "لا تخف أيّها القطيع الصغير، لقد حسن لدي أبيكم أن يعطيكم الملكوت". رجاؤنا اليوم أنّ أخانا طارق المنتقل عنّا قد بلغ إلى الملكوت.
ولد الفقيد من صُلب عائلتين مسيحيّتين متجذّرتين في الإيمان والأرض؛ فوالده من مدينة الشمس "بعلبك"، ووالدته من "دير الأحمر" الأبيّة، عرين المسيحيّين في منطقة بعلبك الهرمل. من هذه الجذور استقى الراحل الإيمان المسيحيّ وصلابة الموقف وعمق الانتماء.
كان الراحل طارق مثالًا حيًّا للرجل العصامي الذي نحت في الصخر ليشقّ طريق النجاح. انطلقت رحلته من مدرسة "الحكمة"، صرح العلم والوطنيّة، حيث تربّى على روح الكفاح والمسؤوليّة. هناك، صقل حسّه الوطني وتمسّكه بالمبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة التي رافقته طيل حياته.
بفكر ثاقب وإرادة لا تلين ومحبّة صادقة، أسّس مع أشقّائه خليّة متجانسة، متفانيّة، وموحّدة، فكانوا يدًا واحدة في لبنان وفي المهجر. هذا التلاحم الأخوي أثمر نجاحات باهرة وموقعًا مرموقًا في المجتمع، بُني بعرق الجبين وجدارة التميّز.
لم يكن نجاحه المهني إلّا انعكاسًا لنجاحه الإنسانيّ؛ فبالتعاون والمؤازرة مع زوجته الفاضلة ماريون، كرّس الراحل حياته لغرس بذور التربية الوطنيّة والمسيحيّة الصالحة في نفوس أولاده وأحفاده، فكان خير أب وموجّه وجدٍّ حنون، مؤمنًا بأنّ العائلة هي الكنيسة الأولى والوطن الأصغر. وإذ يفارقهم اليوم فإنّه يترك لهم سيرة عطرة وإرثًا من القيم والمبادئ،
الموت في إيماننا المسيحيّ ليس انكسارًا أو فناءً، بل هو "الفصح الشخصيّ" لكلّ مؤمن، هو العبور من ضيق هذا العالم إلى اتّساع الملكوت، ومن ألم هذه الحياة وفسادها إلى حريّة مجد أولاد الله. لا نقول اليوم وداعًا لغائب بل لمسافرٍ يعود إلى وطنه السماويّ، حيث "يَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ". إنّ الراحل طارق الذي سلك درب الصليب في كدّه وعصاميّته، يستريح اليوم في حضن الآب، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد بل حياة لا فساد فيها ولا نهاية لها.
باسمي وباسم سيادة المطران جورج بقعوني راعي الأبرشيّة المتغيّب بداعي السفر وسيادة المطران جاروجيوس ضاهر وأبنائي الكهنة، وباسم كنيستنا، أقدّم التعازي لزوجته ماريون، وولديه إلياس وكريستينا وعائلاتهما، ولشقيقه طلال وعائلته وعموم عائلات بعلبك ودير الأحمر وأقربائهم وأنسبائهم في الوطن والمهجر، سائلين الله تعالى، ربّ الأحياء، أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه في ملكوته السماويّ مع الأبرار والقدّيسين الذين ينعمون برؤية النور الإلهي الذي لا يزول. ونطلب إليه تعالى أن يعزّي ويبلسم قلوبكم وأن يجعل من ذكر فقيدنا الغالي طارق ذكرًا مؤبّدًا.
بعد تقبل التعازي، نقل جثمان الفقيد الى مسقط رأسه في بعلبك، حيث اقيمت في كنيسة القديسة بربارة صلاة النياحة قبل ان يوارى في الثرى في مدفن العائلة.